مادة: (فَسَدَ) وردت في القرآن الكريم خمسين مرة بكل اشتقاقاتها: الأفعال والأسماء، واقترنت في كل المواضع بالتهديد والوعيد للمفسدين أو بغضب الله وكرهه ومقته لهم، مثل «فانظر كيف كان عاقبة المفسدين»، «إن الله لا يصلح عمل الفاسدين»، «ولا تعثوا في الأرض مفسدين».. وسوى ذلك كثير.

ومعنى «الفساد» وممارساته لم تتغير منذ أن خلق الله الخليقة إلى أن يرث سبحانه الأرض ومن عليها، فالفساد هو العبث بمقدرات الناس وأكل أموالهم بالباطل والسعي في خراب الأوطان بما قد يرقى إلى مستوى الخيانة بتعطيل مصالحها ونشر المحسوبيات على حساب الكفاءات وسوء استغلال السلطة.. وكما جاءت الآيات في القرآن الكريم صارمة في موضوع الفساد، جاء الحديث الشريف بالصراحة نفسها: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، وما قاله صلى الله عليه وسلم للعامل الذي أوصل الزكاة له صلى الله عليه وسلم وقال: «هذه لبيت مال المسلمين، وهذه هدية أُهديت لي، فقال عليه السلام: هلا جلست في بيت أمك وأبيك حتى تأتيك هديتك»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، واستغلال السلطة للإثراء أو ظلم الناس حاربه الإسلام وضرب على مرتكبيه بيد من حديد، كما حدث مع ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه حين ضرب القبطي الذي سبقه بالسوط، فأمر أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - بأن يقتص منه القبطي نفسه وقال: اضرب ابن الأكرمين، ومن عجب أن محاربة الفساد اليوم قائمة بقوة في دول الغرب التي تسميها بالكافرة، بل وفي دولة عدوة كإسرائيل فلطالما استقال رئيس غربي أو وزير أو مسؤول إن ثبتت عليه تهمة الفساد ولو بتلقي آلاف قليلة من الدولارات بشكل غير مشروع في حملة انتخابية أو سواها أو أنه عين بعض أقاربه في وظائف متجاوزا من يستحقونها. وأعلن في الأسبوع الماضي فقط أن رئيس وزراء العدو نتنياهو سيخضع للاستجواب مجددا بتهمة الفساد لتلقيه مبلغا يعتبر زهيدا جدا، بغير وجه حق، من عجب أن يحدث هذا خارج أسوار العالم الإسلامي، وأن تكون الدول الإسلامية الأعلى في نسب الفساد بكل أشكاله في العالم كله. ولسنا في معزل ولم نكن في معزل في يوم من الأيام عما يجري في العالم الإسلامي، وما يحصل فيما يسمى بالعالم المتقدم على ندرة واستحياء، لذلك جاء تشكيل اللجنة العليا للنظر في قضايا الفساد برئاسة سمو ولي العهد في وقتها الصحيح لاجتثاث جذور الفساد وحفظ حقوق الوطن والمواطن المادية والمعنوية، انطلاقا من نهي الإسلام عن إقامة الحد على السارق الضعيف وترك السارق القوي، والأسماء التي علمنا عنها تدل على عدم التفريق بين القوي والضعيف، ولكن من المهم أن نشير إلى حقيقة غفل عنها كثير ممن كتبوا أو علقوا أو غردوا حول هذا الموضوع، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ومملكة لا إله إلا الله محمد رسول الله، منزهة عن محاسبة الناس على أمور لم يرتكبوها، وهؤلاء المتهمون سيخضعون للتحقيق العادل، ولن يحاسب إلا من تثبت إدانته، والدليل أن سبعة أو ثمانية منهم أطلق سراحهم، فهل يجوز التشهير بمن لم تثبت إدانته بعد؟ وكيف لو بُرّئ ولم تثبت إدانته، ألا نكون قد بهتناه أيما بهتان؟ والأمر الآخر ما بات يكتبه البعض من أننا كلنا فاسدون، وذلك ليس صحيحا: «فالخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة»، والسواد الأعظم من أبناء هذه البلاد المسلمة يخشون الله في كل معاملاتهم معه سبحانه ومع خلقه، ولا يقبلون قرشا حراما. فلنتقِ الله في الأمرين، وليت الذين يشهرون أو يعممون يحاسبون، حتى لا تكون فتنة، وليكون الأمر لله.