كنت حتى وقت قريب جداً،أظن أن مطالبة الجزائريين باعتذار رسمي وتحريري من فرنسا، عما فعلته أثناء الاحتلال ترف سياسي،وأن المطالبة بدفع تعويضات مالية مجرد مزايدة انتخابية أو نحو ذلك،غير أنني فوجئت بحقيقة مُرة تثير العجب بل الامتعاض!

لقد تبين لي أن باريس عاصمة الحرية وحقوق الإنسان تحتفظ حتى الآن بجماجم قادة الثورات الشعبية من الشهداء الجزائريين الذين هبُّوا لمقاومة الاستعمار والدفاع عن بلادهم!

أما الأكثر امتعاضاً فهو كما يؤكد السعيد عبادو أمين عام «المنظمة الوطنية للمجاهدين أن تلك الجماجم موجودة الآن في «متحف الإنسان» بالعاصمة الفرنسية.. ويا هوان الهوان!

أي إنسان هذا الذي أطلقت فرنسا اسمه على متحفها الحضاري في باريس؟ إنسان أي عصر وأي قرن في تاريخ الحضارة بل الجاهلية الإنسانية؟!.

إذا كان هو الإنسان بآلاف لام التعريف،فمن الواضح على هذا النحو المؤسف أن «العربي» مستثنى منه!.

ولأن شر البلية ما يضحك، فإن ثمة أسئلة أخرى تتفرع من هذا السؤال وتفرض نفسها بقوة على النحو التالي :

هل كان سبب الاحتفاظ بجماجم شهداء الجزائر هو تعليم الزوار فضلاً عن الأجيال شرف الانتماء وجسارة الدفاع عن الأرض والعرض؟!

هل كان السبب وما يزال هو التشفي وإظهار الغل من المقاومين والمناضلين والمجاهدين الأحرار في بلد المليون شهيد؟

هل هو العظة والعبرة من خطورة انتهاك حريات وكرامة الشعوب فضلاً عن أرضهم التي هي شرفهم؟!

هل تكريم القتلة الباقين من زمن الاحتلال بحيث يمرون بين الحين والآخر لرؤية ضحاياهم والاستمتاع في آخر العمر بذكريات القتل والعربدة والدم؟!

أغلب الظن أنه خطأ فرنسي فاحش،وما أكثر الأخطاء الاستعمارية الفاحشة!.

إن جماجم المقاومين ليست قطعاً أثرية نحاسية أو حتى ذهبية، كما أنها ليست مسلات فرعونية،وهي بالتأكيد ليست منحوتات صخرية.. إنها أغلى من ذلك كله،لأنها ببساطة أرواح شهداء آن لها أن تستريح!

ثم إنها خلاصة أو نتيجة فترات كالحة في التاريخ الفرنسي، وصفها الرئيس السابق ساركوزي بأنها «أفعال ارتكبها الآباء ولاذنب فيها للأبناء»ّ وقال عنها الرئيس الأسبق هولاند: «إنها فترة ظالمة»!.

أما الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون فقد كان كلامه في ليل الانتخابات قبل مجيئه لسدة الحكم مدهوناً بالزبدة الفرنسية التي ساحت مع طلوع النهار!.

لقد ملأ ماكرون الدنيا ضجيجاً بالحديث عن الحريات وكرامة الآخرين،و»عن فترات الاستعمار الفرنسي التي تستحق الاعتذار والإدانة»، فلما كان ماكان وجاء ماكرون رئيساً،تنكر لكل ما قاله عن حقوق الإنسان، ناوياً زيارة الجزائر وجماجم شهدائها في متحف الإنسان.

سيدي الرئيس: عن أي إنسان تتحدثون، بل عن أي حقوق وحريات؟!.