يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وهذا يُؤكِّد الغاية الكبرى التي أرادها الله من خلق الجن والإنس، وهي العبادة بمختلف صورها واتجاهاتها، لكن ذلك لا يعني أن يقتصر دورهم بعد الخلق على العبادة فقط، بل كلفهم الله بمهامٍ أخرى لابد من أدائها لتتم تلك العبادة على أكمل وجه، ويتحقق مرادها وفق متطلباتها الحياتية، ويأتي في مقدمة تلك التكليفات المعاملة مع الغير بمختلف صورها واتجاهاتها، والتي وردت في آياتٍ كريمات، وبما أن العبادة تعد علاقة مباشرة وخالصة مع الله سبحانه دون تدخل من الغير، كون الله سبحانه هو مَن يعلم صدقها، وكون محلها القلب، ولا يعلم مكنون القلب إلا الله سبحانه وتعالى، لذا نجد أن العبادة تعد علاقة مباشرة مع الله سبحانه دون وسيط، أما المعاملة فهي مرتبطة بالبشر والمؤسسات والأنظمة والمذاهب والعادات والتقاليد والأحوال المحيطة، لذا نجدها متغيرة ومتبدلة ومتطورة وفق حركة التغير والتبدل من حولها، وما حدث في العديد من المجتمعات الإسلامية وأدى إلى حدوث وتنامي حالة الانحراف هو تحوُّل العبادة المباشرة مع الله دون وسيط إلى عبادة متداخلة مع المتغيرات سالفة الذكر، فحدث التأثير والتحوير والتضليل، فكان من نتاج ذلك انحرافها أكثر من تلك المتغيرات، حيث جعلت الأحزاب السياسية في تلك المجتمعات من الدين عباءة يستظلون بها لتحقيق مآرب شخصية.

وقد بدأت تلك الحالة منذ العصر الأموي، ثم تنامت وفق سياسات تلك المجتمعات حتى أصبح الدين مِلْكاً للساسة عندهم، فبدأوا في ابتكار السبل التي تشرع لهم ذلك، فنشأت المذاهب والفتاوى المسيسة، فانحرفوا بالدين الحق عن مساره الذي نزل به وسار عليه النبي محمد –

صلى الله عليه وسلم- ومن بعده الخلافة الراشدة التي ظهرت خلالها بوادر تلك المؤشرات، لكنها لم تكن بالقدر الكافي لتغيير مسار الدين.

ولعل ما تعيشه العديد من المجتمعات الإسلامية هذه الأيام من مذاهب متناحرة متحاربة متكارهة، ومن طوائف كذلك، ومن مسميات متعددة، ما هي إلا نتاج لذلك التحول في مسار العبادة وذوبانها في مسار المعاملات الحياتية

بعد أن خضعت للرغبات والأطماع الشخصية، فكان الدين عندهم كالعصا التي يرهبون بها أفراد مجتمعاتهم.

لذا لابد أن تعيد تلك المجتمعات النظر في لملمة شريعتنا الإسلامية وفق ما جاء بها كتاب الله الكريم والصحيح والمتواتر من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا أراه أمراً يسيراً إذا وجدت المنظمات القادرة على وضع الأمور في نصابها، وتحويل العبادة إلى أمر لا يحتاج إلى وسيط، وهنا فقط تتحقق مطالب التفكُّر والتدبُّر التى نادى بها الله سبحانه في الكثير من الآيات.. والله من وراء القصد.