كان النيل وما يزال وسيظل أبد الدهر -مهما كان- مصدرًا، بل منبعًا، للخير والجمال، وكان النيل وما يزال رابطًا بين دول حوضه الجميل وبعضها وبين شعوب كل دولة وبعضها.

فجأة تحوَّل النيل في مصر إلى موضوع خلاف وشجار وتراشق بين المصريين الذين أحبوه كما لم يُحبّه شعب إفريقي آخر، والسبب مطربة اسمها «شيرين»! والحاصل أن النيل تحوَّل إلى نهرٍ للاستقطاب السياسي، قبل الاقتصادي والاجتماعي والفني، خاصةً إذا علمنا أن ملفه انتقل من الجهات المسؤولة إلى نقابة الفنانين! بعد أن قررت الأخيرة تحويل المطربة «شيرين» إلى المحكمة بتهمة ازدراء النيل والإساءة إليه، واتهامه بأنه ينقل مرض البلهارسيا!

لا مانع أبدًا أن تغير نقابة الفنانين على النيل، ولن أُصاب بالدهشة إذا دخلت وزارة الصحة على الخط فقالت: إنه لا ينقل البلهارسيا، وبالتالي يتضاعف الحكم على المطربة. كما لن أندهش إذا دخلت جهات ومؤسسات أخرى، وكوَّنت حِلفًا ضد «شيرين»، لكني وسط هذه الضوضاء لن أمنع نفسي من السؤال عن مصير النهر الخالد لا مصير «شيرين!».

شخصيًا، عندما كنت في إثيوبيا، وتحديدًا في مكان سد النهضة الحالي الذي وصلته على ظهر حمار، وعلمت بوصول خبراء إسرائيليين لبحث إقامة 6 سدود على النيل؛ سألت الرئيس منجستو عما إذا كان ذلك ثمن الإبقاء عليه وعلى حكمه، فلم يجب! فلما نزلت من أديس أبابا توجهت إلى القاهرة لا إلى لندن، حيث مقر عملي حينها، وعندما اتصلت بالدكتور ممدوح البلتاجي رئيس هيئة الاستعلامات لم أبلغه عن «الست سنية التي تركت المية ترخ من الحنفية»، كما يقول المصريون، وإنما أبلغته حينها عن الكارثة، ووعدني بإبلاغ الموقف للرئاسة، وأظن أنه فعل، وأظن أن شيئًا ما حدث!

من حسن الحظ أن النيل قد يغفل وقد ينام وقد يصمت، لكنه حين يشتبه في أي إهمال أو تآمر.. يصرخ وينبه وينتبه!

والنيل كما الإنسان المصري القديم يروق له أحيانًا أن يصمت تمامًا، وأن يتأمل قبل أن يتكلم، فإن تكلم فاض في الكلام حتى الإيلام!

والنيل يقدم دائما حسن النية، قبل أن يفترض أو يعترض، فاذا اعترض، أصاب الحوض كله بالمرض!

والنيل يمر من بحيرات الشمال مكتسحًا التلال، وغامرًا الأرض والرمال، قبل أن يقول.. فإّذا قال لن يوقفه لا اتفاق ولا قرض ولا مال!

والنيل قد يعلو وينخفض، قد ينقص وقد يزداد، فإن حبسه حابس عن مصر أيقظ الأحفاد والأولاد والأجداد! وإن زمجر أو زام، استبدل الهيجان بالفيضان!

في كل الأحوال ومهما كان المآل، سيظل النيل يواصل مهمته الخالدة في مسح هذا الكم الهائل من الكآبة والهموم.. سيظل النيل عبر السنين مثلنا ملجًأ وملاذًا لكل فلاح، بل لكل قاص أو شاعر أو كاتب مهموم حزين.

المهم ألا نختلف على هذا النحو، وألا نتاجر أو نناور أو نكابر في حضرته.. إنه يسمعكم ويشاهدكم، وما جف ماؤه وما ماتت خضرته.

انتبهوا! النيل كالجمل.. يصبر.. يخزن كل ما قلتم ثم يجتر! والنيل كما مصر.. تفرز أولاً بأول ثم تمتص.. قبل أن تقتص!.