سجادة ٢٠٠ عقدة في السنتيمتر المربع ينسجها الإيرانيون بدأبٍ منذ قرابة نصف قرن، لتغطي مساحة راحت تتسع وتتمدد فوق خارطتنا، بشهوة طمع فارسي، وغواية ضعف عربي.

شهوة الطمع الفارسي، استهلها الشاه السابق محمد رضا بهلوي في عام ١٩٧١، بالقفز فوق الجزر الإماراتية الثلاث، طنب الكبرى والصغرى وأبوموسى، عقب انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج، وحاول الشاه ضم البحرين إلى مملكته، لكنه فشل بعد استفتاء قال فيه شعب البحرين: إنه يريد الاستقلال والعروبة معًا.

غواية الضعف العربي، هي من أغرت الملالي في طهران، بمد البساط إلى لبنان والعراق وسوريا واليمن. تسللوا تحت ثيابنا، دخلوا كحشرات الفراش إلى مخادعنا، وراحوا بدأب ينسجون سجادة أصفهانية عملاقة ذات عقد مزدوجة، قابلة لمواصلة التمدد والانتشار فوق أرض عربية، دخل بعضها -طوعًا أو كرهًا- في غيبوبة حضارية.

أول مهام التصدي لجشع التمدد الإيراني فوق الأرض العربية، يبدأ، في ظني، بمهمة تحصين المناطق التي لم تطالها يد الجشع الإيراني الملتحف بالطائفية.

عملية تحصين المناطق التي تستهدفها طهران، ينبغي أن تبدأ بسد الثغرات، التي تتسلل منها حشرات الفراش الإيرانية إلى مخادعنا الوادعة.

أول هذه الثغرات، هي الطائفية، فشيوع ثقافة ازدراء طائفة لحساب أخرى، وغلبة ثقافة الإقصاء، هو ما يفتح الباب على مصراعيه لكل متآمر وطامع، وهو ما حدث مرارًا وتكرارًا في الحالتين اللبنانية والعراقية، وما يحدث الآن في الحالة اليمنية.

بناء الدولة الوطنية الحديثة، هو المدخل الوحيد لتحصين بلداننا ضد أطماع طهران.

تقوم الدولة الوطنية الحديثة، على عقد اجتماعي، مكتوب أو غير مكتوب، يقر بأن المواطنة هي مصدر الحقوق والواجبات بين المواطن وبين الدولة التي لا تميز بين مواطنيها، بحسب الدين، والمذهب، واللون، والعرق، والنوع، والجنس.

عندما تصبح المواطنة، وحدها، هي مناط الاستحقاق لكل مواطن فوق أرض الوطن الواحد، لن يجد الإيرانيون ثقبًا يتسللون منه كحشرات الفراش إلى مخادعنا.

إطلاق سراح لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، من تحت سجادة إيرانية كثيفة العقد المزدوجة، لن يتحقق بإطلاق ميليشيا، ضد ميليشيا أخرى، كما تصور بعض من قالوا إن أفضل وسيلة للتصدي لأطماع طهران وإفساد مخططاتها، ونقض غزلها، هو تبني منهج الحروب بالوكالة الذي تتبناه إيران في الدول العربية الأربع، وإنما يتحقق بمساعدة القوى الحية في الدول الأربع على إرساء أسس دولة المواطن لا الطائفة.

المأزق الأمني الحقيقي في المنطقة، مصدره حسب تقديري المتواضع، هو غياب الدولة الوطنية الحديثة، ومواجهته تتم عبر بناء دولة وطنية حديثة تكفل المساواة (المستدامة) بين الجميع في الحقوق والواجبات.

المؤسساتية، هي أولى ضمانات استدامة دولة المواطن.

اجتماع بوتين وروحاني وأردوغان في سوشي أمس الأول لتقرير مستقبل سوريا، وتقاسم حصص النفوذ والدور فيها، في غياب أي حضور عربي من أي نوع وعلى أي مستوى، كان عنوانًا صارخًا بحاجتنا الملحة إلى مراجعة كل شيء، من أول تعريفنا لمن هو العدو ومن هو الصديق، وحتى اعترافنا بأننا جميعًا شاركنا في صناعة هذا المشهد المؤلم، بالعجز، وبالحيرة، وبالتردد، وبالارتباك، وبالرؤية المشوشة، وبالانفصام عن حركة التاريخ.

روحاني وأردوغان دخلا غرفة الخرائط الروسية، لينال كل منهما نصيبه من كعكة النفوذ والحضور والسيطرة في الإقليم.

إيران راحت تبحث سُبل تكبير السجادة، لتغطي فضاءً أوسع في الإقليم، وعلينا أن نقرر الآن وبحسم، ما إذا كان هدفنا هو تدمير ورشة السجاد الإيرانية، أم تصغير سجادة إيران، وتحصين منطقتنا ضد جشع ملالي البازار.

تدمير الورشة، قد لا يكون هدفًا واقعيًا، أو ممكنًا، والبديل هو تصغير السجادة، بحمل صُنَّاعها على الانكماش، أو بقصقصة أطرافها إن لزم الأمر.