جل وقتنا وإمكانياتنا عادةً ما تُوجَّه للظواهر والمشاكل المتكررة، وحدوثها عادةً ما يؤدي إلى جذب انتباهنا عن مشاكلنا المزمنة والمستدامة. بل نجدها تشد انتباهنا ومعها إمكانيتنا، وتحتل قائمة أولوياتنا، وننسى مشاكلنا المستدامة والدائمة، وتصبح الظواهر والمشاكل الطارئة هي جُل اهتمامنا، وكأنه لا توجد لدينا مشاكل أو ظواهر غيرها. من المفترض أن سلم الأولويات والترتيب يرتكز على المشاكل المستدامة والمزمنة، وأن يتم توجيه التركيز والموارد لها، ولكننا كشعبٍ شغوف يُؤثِّر كل ما هو جديد بصورةٍ مباشرة، ولكن أن يكون مرتكزا، فهذا أمر مُحبط لنا. وربما للإعلام ووسائطه دور في جذب الاهتمام والتركيز، ولكن من الخطأ أن تصبح القضية الرئيسية في ظل وجود مشاكل مزمنة لا تزال تُؤرِّقنا، وتضع المستقبل في خانة المجهول.

السعودية وخلال الحقبة الحالية ركَّزت على أبعاد إستراتيجية مهمة وحيوية لمعالجة مشاكل مزمنة تتعلق بالاقتصاد وتحوّله، وتُعلّق الآمال على تحوَّل شامل لآلية عمل الدولة، وإستراتيجيات قديمة كانت مرتكزا وأساسا للمواطن. فنحن الآن على أبواب عهد جديد، وتوجُّه جديد يُغيِّر الماضي، وما تعوَّدنا عليه، فالثوابت الاقتصادية والاجتماعية يتم تغييرها لتتماشى مع الوضع المستقبلي المفروض علينا، ولمعالجة مشاكل مزمنة.

الضغوط المستقبلية تفرض علينا التحوُّل، وتقبُّل ما يُفرض علينا مستقبلاً، والوضع القائم يفرض علينا التحوُّل حتى نستطيع معايشة المستقبل. مشاكلنا المزمنة الاقتصادية، الخاصة بالاعتماد على النفط، وتوجهات الصرف واعتمادية المواطن على الوظيفة، وأسلوب تقديم الخدمات التعليمية والصحية والإسكان والمنتجات المدعومة، وتكوين ميزة نسبية من خلال الدعم الحكومي، أصبح جزءا من الماضي، والتي ستفرض ضغوطاً يجب أن نتعايش ونتفاعل معها، ليتحقَّق التحول الاقتصادي نحو الأفضل.

الفترة القادمة تستلزم منَّا الصبر والتحوُّل نحو الأفضل لبناء مجتمع اقتصادي قوي. ويجب أن يُدرك فيه المواطن أن تحسين الدخل دون الاعتماد على مصدر وحيد يجب أن يتم، فالنظام الآن فتح المجال ليعود المواطن إلى حقبة الستينيات وما قبلها، حين كان يُعدِّد مصادر دخله ويُطوّرها. نصف قرن أو أكثر مرَّت بخيرها وضغوطها عوَّدتنا وخلقت فينا أبعادا سلبية تستلزم منَّا تغييرها، حيث خلدنا للدعة والخمول، في حين لو نظرنا لأي مواطن خارج الخليج وقدرته ورغبته في تحسين دخله، لأدركنا أهمية التغيير. المفترض أن تكون تنمية وتطوير وتبني المشروعات الصغيرة والدخول فيها بُعدا حيويا. ولا يجب أن نلوم تسرُّب وتوفُّر الغير للقيام بهذه الأنشطة، لأننا نحن من تركها، وخلد للراحة والهدوء، وترك الساحة لتمتلئ بغيره.