* و(النمنم) لمن لا يعرفه، وحش خرافي ابتكره حرص آبائنا وخوفهم علينا من الابتعاد عن المنازل في زمن الطيبين، فكان هذا (الحيوان الأسطوري) فزّاعة الليل التي يرهبوننا بها عن الخروج مساءً، بينما تقوم (حمارة القايلة) بهذه المهمة (الأمنية) نهاراً، حيث تقول روايات الأمهات والجدات (الطيبات جداً) أن الحمارة المرعبة (ولا أعرف لماذا هي أنثى وليست ذكراً) تقوم بعضّ و(عرمشة) عظام كل من تسوّل له نفسه الخروج في (القوايل)!. اللافت في أمر الوحش (الذي كان يرفع مستويات الأدرينالين عندنا إلى حدودها العليا) أنه كان موجوداً في كل الثقافات السعودية على اختلاف جغرافيتها، ولا أعلم أن ثمة منطقة في المملكة - وربما في الخليج كله - تخلو من (نمنم) أو شبيه له، يحبط المغامرين ويربطهم في بيوتهم وإن اختلفت المسميات!.

* كبرنا.. وكبر معنا خوفنا من الخارج.. ورسخ هذا (النمنم) فينا مبدأ أن المنزل مكان آمن، لدرجة أننا أصبحنا نفرح جداً عندما نشاهد أبناءنا يقضون يومهم كله بين جدران غرفهم الخاصة!.. لم نعد نهتم كثيراً بما يفعلونه داخل غرفهم، ولم نعد نسأل كيف يقضون يومهم وبصحبة من؟.. المهم عندنا هو ألا يخرجوا أبداً، وبس، غافلين أو ربما غير مبالين بأن تركهم طوال الوقت في أحضان (وحوش) و(نمانم) صغيرة وجذابة، نسميها ألعاباً وأجهزة ذكية هو أمر أشد وأكثر خطراً من النمنم وحمارة القايلة مجتمعين!.

* لم ننتبه أبداً خلال غفوتنا إلى أن (النمنم) غيّر اسمه، وأنه لم يعد بحاجة لأن يجوب الشوارع ليلاً بحثاً عن ضحايا بعد أن التف علينا ودخل بيوتنا من أوسع أبوابها، ولم نلحظ أيضاً أنه أصبح شريكا لنا في منازلنا بعد أن أجرى الكثير من عمليات التجميل التي بدلت ملامحه القبيحة السابقة إلى شاشات إلكترونية جميلة وجذابة، فتركناه يصادق أبناءنا و(يأكل روسهم)، بل وباركنا هذه الصداقة غافلين (ربما للمرة المليون) أنه أكثر خطراً وبآلاف المرات من (نمنمنا الساذج) القديم، كونه يضع كل تراكمات المحتوى المتطرف، والجنسي واللاأخلاقي الموجود على كوكب الأرض عند أطراف أصابعهم، وعلى بعد ضغطة زر واحدة منهم و(اللي ما يقرأ يتفرج)!

* بالمناسبة بعض وحوش داعش الذين عاثوا في الأرض فساداً وقتلاً وإرهاباً كانوا مجرد أطفال أبرياء لولا غفلة من آبائهم الذين تركوا رؤوسهم للنمنم.