يشتكي معظم الناس - خصوصاً في مجتمعاتنا الخليجية - من طوفان الديون الشخصية، وتعاظم المشكلات المالية، إمّا جراء تراكم القروض البنكية، أو بسبب البطاقات الائتمانية التي جعلت السلع على بعد (سحبة) منهم !. وبحسب إحصاءات موثقة فقد تجاوز مجموع القروض الاستهلاكية للسعوديين في العام ٢٠١٧ حاجز الـ٣٥٠ ملياراً.. وهو رقم يجعل التساؤل عن أسباب وقوعنا بهذا الشكل العجيب -حتى لا أقول البليد- في بحور الدين المظلمة، أمراً مشروعاً بل وضرورياً!.الأسباب كثيرة وتختلف باختلاف حاجات الناس وظروفهم الشخصية، ولعل من أبرزها تغوّل الرأسمالية، ومكائنها الإعلامية التي أصبحت تفرز كل يوم كماً هائلاً من الإعلانات المستفزة، التي تضغط على غرائز الناس وحاجاتهم ورغباتهم، مما تسبب في تقليص الفجوة بين رغبات البشر وحاجاتهم الأساسية لدرجة لم يعد أحد يشعر بالفارق المهم بينهما!.

هل تعرف الفارق بين الرغبة والحاجة؟! .

إن كانت إجابتك بنعم؛ فإنك بالتأكيد تعرف الإجابة على السؤال (عنوان المقال).. فالخلط بين الرغبات والحاجات هو أحد أهم وسائل الرأسمالية المتوحشة؛ وحِيلها في تضخيم أرباحها، وإنْ على حساب البشر ومشاعرهم!. كثيرون هم من يقعون في هذه الإشكالية نتيجة عدم وعيهم المالي!.

كلنا (نرغب) في شراء سيارة جديدة، تغيير أثاث المنزل، السفر لأماكن جديدة حول العالم، اقتناء أحدث الهواتف النقالة.. لكن قلة منا من يسألون أنفسهم بواقعية: هل نحن (بحاجة) حقيقية لهذه السلع المكلفة؟ أم أنها مجرد استجابة لضغوط البرمجة الاستهلاكية؟!.. وهل نملك القدرة المالية على دفع تكاليفها، أم أننا سنتحمل المزيد من الأعباء والضغوط المالية والنفسية المرهقة؟.

لقد زيّفت المصارف الإجابة على السؤال السابق.. أو قل إن شئت أنها (منعت) التفكير به من الأساس.. مما تسبب في انعكاس مفاهيم كثيرة في معادلات وارتباطات المال والسعادة والحاجة لدى الكثيرين!.

على أية حال المال ليس شراً مطلقاً.. بل قوة محايدة، مثله مثل الماء الذي نحتاج إليه لنبقى أحياء، لكنه قد يميتنا غرقاً.. يمكن للمال أن يجعلنا سعداء، لكنه قد يميتنا أيضاً كمداً وحسرة إن لم نحسن إدارته.. لذا فإن معرفة حدودنا وقدراتنا المالية أمر مهم لتحقيق السعادة بل للبقاء أحياء أحياناً، فالاكتفاء بالحاجات الضرورية أمر مهم لتبسيط الحياة والإقلال من الشعور بالضغوطات النفسية وحالات الاكتئاب التي تقتل الملايين حول العالم.

الأشخاص الأكثرسعادة هم أولئك الذين أدركوا بوعي الفارق بين حاجاتهم ورغباتهم.