قد يبدو لنا أن تحركات «دونالد ترامب» نحو نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس تبدأ في لحظة مواتية، فهي تستغل تفاقم الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط لتحقق لإسرائيل ما تطمح إليه. كل بلد عربي تقريبًا لديه مشكلة مفتوحة تستهلك موارده، وتلتهم وقته، وتضيق دوائر اهتماماته، وترهق شعبه. هل هنالك لحظة أفضل من هذه لتنال إسرائيل مرادها والعرب منشغلون بقضاياهم الكبيرة والمريرة؟ العراق يلملم أطرافه، وسوريا جرح ينزف، وليبيا تعاني الأمرين، ومشكلة اليمن تدخل في متاهات، ولبنان يسير على قشرة النأي بالنفس، وقطر خنجر في خاصرة العرب، وإيران تتربص وتخطط، وتركيا تلعب على كل الحبال. أي فرصة في أي زمن قد تسنح مرة أخرى؟

ربما فكرة اقتناص الفرصة واردة، لكن تحرك ترامب في هذا الاتجاه ليس مرتهناً بلحظة، فالرجل قد جعل من نقل السفارة وعداً انتخابياً، ثم حين بدأت فترة رئاسته كررت إسرائيل منوال الزّن، وذكرته بوعوده وبوقوف اللوبي اليهودي إلى جانبه في الانتخابات. وللحق فقد حاول الرجل أن يؤجل الموضوع كما فعل من سبقه من الرؤساء الذين وعدوا إسرائيل خلال حملاتهم الانتخابية، ثم تراجعوا مرة بعد مرة إلى أن انتهت مدة رئاستهم دون تحرك فعلي.

بعد أن وافق الكونجرس الأمريكي على مشروع قانون اعتماد القدس مقرًّا للسفارة الأمريكية في عام 1995، صار لزامًا على كل رئيس أن يطبقه، أو أن يوقع أمرًا بالتأجيل في التنفيذ كل ستة أشهر، وإلا فالقرار يعتبر نافذًا، وقد قام ترامب بالتوقيع في يونيو الماضي. وقبل أن يحين موعد التوقيع مرة أخرى في ديسمبر المقبل، بدأ ترامب في تسريب أخبار عن رغبته في نقل السفارة، ثم أجرى مجموعة من الاتصالات بالزعماء العرب ليشعرهم بجديته في تحقيق تلك الرغبة. ومن المتوقع أن يعلن ذلك رسميًّا في بيان يوضح الموقف الأمريكي وانعكاساته على عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ حيث إن ترامب قد وعد أيضًا بحل الأزمة بينهما في معاهدة أسماها «صفقة القرن».

إن عملية نقل السفارة تناقض العمل على التوافق الفلسطيني الإسرائيلي، فهي تخرج أمريكا من دورها كوسيط إلى الانحياز لطرف على حساب الآخر، فنقل السفارة يخدم مصالح إسرائيل وحدها. إسرائيل التي ما فتئت تحلم بفرض حكمها على القدس الشرقية والغربية تحلم بالسيطرة التامة على أرض تعتبرها ملكًا لها منذ آلاف السنين، وهي أرض أنبيائها داود الذي بنى أول معبد، وسليمان الذي بنى الهيكل، هي أرض البدء والمعاد، وهي العاصمة الكاملة والأبدية.

حين تنقل أمريكا سفارتها إلى القدس فهي تعترف بها عاصمة لإسرائيل وحدها، وفي ذلك مخالفة صريحة لقرارات الأمم المتحدة التي تعتبرها أرضًا مقسمةً بين الإسرائيليين والعرب، وأن العرب من حقهم أن يجعلوا قسمهم عاصمة لفلسطين لو تحقق حل الدولتين

. لماذا يجازف ترامب بكل جهود السلام السابقة، وبكل المعاهدات والقوانين، وبأمن المنطقة واستقرارها؟ هل يبحث عن ضجة تتلهى بها أمريكا عن الفخاخ التي ينصبها له أعداؤه؟ هل سيحمل بيانه حزمة من الشروط لإسرائيل تتوافق مع صفقة القرن فيضرب عصفورين بحجر؟

بالرغم من أن الأمم المتحدة قد اعتمدت خطة بقاء القدس «هيئة منفصلة» ذات وضع قانوني وسياسي خاص، وعلى الرغم من أن جميع الدول قد التزمت بقرارات الأمم المتحدة ولم تعترف بسيادة إسرائيل على القدس عمومًا، كما أنها أبقت سفاراتها جميعًا في تل أبيب، إلا أن الأمر سِيَّان عند إسرائيل، فمنذ 1949 أعلن ديفيد بن جوريون القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وبعد عام 1980 أعلن الكنيست أن «القدس، كاملة وموحدة، هي عاصمة إسرائيل». هذا هو الطغيان الاسرائيلي.