كل أنتليجنسيات intelligentsias العالم لها حضور فعال. وتستنهض بقوة في الظرفيات التاريخية الحساسة، إلا النخبة العربية، وبسبب ثقل التاريخ والمنع المتراكم، وشدة التمزقات، لا نشعر بحضورها، وأنها غير فاعلة ومنهكة كليًّا لدرجة أننا لا نحس بوجودها كنخبة ثقافية حية ودينامية. المشكل في المثقف عمومًا، هو أنه شخصية مصطفاة، أي ليست عادية، وتحمل على ظهره رسالة لمجتمعها كيفما كانت ردة فعل الأنظمة التي تعيش في عمقها أو على هوامشها، بالخصوص إذا كانت هذه الأخيرة ظالمةً وغيرَ مصغية. المفترض في هذه النخب أن تفكر بشكل عميق، وتقترح السبل الجديدة للتطور والمواطنة والحرية. الجهد الثقافي الفردي مهم، لكنه ينتهي إلى الموت بالمعنى الاجتماعي؛ بسبب غياب المساحة المجتمعية التي يلتصق بها. لهذا فالأنتليجنسيىا العربية معطلة ثقافيًّا، بشكل شبه كلي. تجد نفسها اليوم أمام مأزقين متصلين؛ المأزق الأول يتلخص في كونها لا تنتج معرفة مواكبة لمعضلات العصر الذي تعيشه لأن أطروحاتها كثيرًا ما تكون مرفوضةً أو غير مقبولة.المأزق الثاني هو أنها حتى عندما تتجاوز صعوباتها الوجودية وتنتج هذه المعرفة- فهي لا تصل؛ لأن قدرة الاستيعاب الجماهيرية محدودة، وغير مهيأة لأي تغيير في الذهنيات. لا نظن أن السبب يعود لمشكلة الأمية وحدها، ولكن لغياب الاستراتيجيات، والوسائط التنظيمية التي تنقل المنتَج المعرفي

.

في الثورات العالمية الكبرى، لم تكن الأمم على مستوى عال من الثقافة والتنظيم، ولكن البؤس المعيش، أوجد في النهاية قيادات حقيقية وليس افتراضية، استطاعت أن تغرس البدائل في الناس وتغير المجتمع كليًّا. واليوم، على الرغم من وسائل التواصل الحديثة الإنترنت، الفيسبوك، وتويتر وغيرها، إلا أن مشكلات التواصل بين النخبة والمجتمع، واقتراح الحلول والإسهامات فيها، ما تزال قائمةً. كل هذه الظواهر مجتمعة وغيرها، تفسر الغياب الثقافي وعجز الإنتليجنسيا عن التواجد وفرض رأيها. هناك جانب من هذا الضعف يصيب البشرية جمعاء لأنها عرضة للتاريخ والمصالح، وبالتالي للاختلافات العميقة، فيتم تحجيم وتغييب دور النخب ومراقبتها. ومنه ما يصيبنا عربيًّا بشكل خاص بتغييب كلي للنقد.فقد خلقنا ثقافة الخوف وبقينا في تخلفنا إذ لا يمكن لأمة أن تتطور دون نقد وتصليح الاعوجاج.وهذا المنع أرضية خصبة للعنف الذي مس المجتمعات العربية لدرجة أن أحرق منجزها وأفشل الثورات وإمكانات التغيير. في غياب الفعل النقدي، نتجه اليوم نحو العقل الوثوقي الذي لا يمكن إلا أن تكون نتائجه وخيمة. فهو غير منتج ثقافيًّا، إذ لا يكلف نفسه جهدًا كبيرًا يربط مشروعه الثقافي بالحاضر المتحرك، إذا كان له مشروع. ويحل المثقف الوثوقي كل شيء بالخطاب الذي حينما يصطدم بالواقع، يتهاوى. تحتاج حالتنا العربية المستعصية إلى انتفاضة داخلية حقيقية توجه كل شيء نحو التجديد والتنور وخيارات التطور، ونقد التجارب السابقة التي لم تفض إلى الشيء الكثير. النخبة الثقافية التي عايشت زمن النهضة، قامت بجهودها التي يمكن انتقادها طبعًا، ودفعت ثمن خياراتها، فكانت صمام أمان للخيارات الجديدة. لا يمكن أن نكون عدميين، فشخصيات مثل الطهطاوي وعلي عبدالرازق، وطه حسين، والطاهر الحداد وابن باديس وغيرها، خاضت معركة الحداثة بوسائلها المتاحة. الأجيال اللاحقة، على الرغم من جهودها، من النخب المختلفة الإسلامية واليسارية والليبيرالية، إلا أنها ظلت عاجزة عن إنجاز الجديد من خلال التواصلات والقطيعات مع ما سبق. الى اليوم لم نر جهدًا حقيقيًّا في مستوى الرهانات يعيد النظر في آلياته الثقافية والسياسية والفكرية وممارساته، ويضع مشروعًا جديدًا متجذرًا ومتفتحًا في الوقت نفسه، لا يكرر الأخطاء التي ارتكبتها الجهود السابقة. نقد اليقين الفكري والإطلاقية، أكثر من ضرورة- إن أرادت هذه الإنتليجنسيا- أن يكون لها مكان في مجتمعات عربية تتعرض اليوم لعواصف غير مسبوقة. لا خيار أيضًا للسُّلَط إلا التصالح مع التفكير النقدي، واعتباره حالةً طبيعيةً يجب الإصغاء لها والتقرب منها. بدون ذلك، لا شيء يتحرك أو يستقيم.الحكيم هو من يظل مصغيًا لكل التوترات المهمة المحيطة به والمنبهة له. لهذا تظل الإنتليجنسيا- كيفما كانت وجهتها الفكرية- صمام أمان حقيقي إذا استطاعت أن تجد مكانها ومكانتها في المجتمع. تدميرها بالمضايقات والسجون والمتابعات يفرغها من طاقاتها الحية والمنتجة والموجهة أيضًا.