مَن يُسَافر كَثيرًا، ويَحتَك بإجرَاءَات السَّفَر، ويَسبر أَغوَارها، سيَكتَشف الخَلَل.. ولَكن مِن المُستَحيل أَنْ يَجد سَبَب هَذا الخَلَل، لأنَّ الإجرَاءَات عَائِمَة ومُتدَاخِلَة، وكُلّ جِهَاز يُلقي تُهمة التَّقصير عَلَى جِهازٍ آَخَر، الأَمر الذي يَجعَل مَن يُريد الإصلَاح؛ يُصاب بالصُّداع، ويُفوِّض الأَمَر إلَى الله قَائِلًا: «حَسبي الله ونعم الوَكيل»..!

وحَتَّى نُوضِّح الأمُور بالأَمثَال، ليَسهُل عَلينَا شَرْح الأَحوَال، دَعونَا نَطرح هَذا المِثَال:

قَبل فَترَة، كُنتُ مِن رُكَّاب طَائِرَة؛ ستُقلع مِن مَطَار الرِّيَاض إلَى مَطَار إسطَنبول، ثُمَّ أَعلَن مَأمور السَّفَر، صَاحب الصَّوت الخَافِت فِي المَطَار، بأنَّ رحلة إسطَنبول استَوَت، وحَان قِطَافهَا -أَقصُد حَان إقلَاعهَا-، فتَجمهرنَا -نَحنُ الرُّكَّاب- عِند بَوَّابة المُغَادَرَة، كَمَا يَتجمهَر الحُجَّاج عِندَ مَرمَى الجَمرَات، وبَدا مُوظفو الخطُوط السّعوديَّة المَوجودون أَمَامنَا كالأَصنَام، لَا يَفعلون شَيئًا، فاقتَربتُ مِن أَحدِهم وسَألتُه: لمَاذا لَا تَبدؤون بتَصعيد الرُّكَّاب؟ فقَال: «إنَّنا بانتظَار مُرَاقب الجَوَازَات، الذي يَفحص جَوَاز كُلّ مُسَافر، ليَتأكّد مِن وجُود خِتم المُغَادرَة»..!

فِي هَذه الأَثنَاء، استَغللتُ وَجَاهتي -حُلوة وَجَاهتي-، وذَهبتُ إلَى مَكتب الجَوَازَات، وسَألتهم عَن سَبَب تَأخُّرهم؛ فِي إتمَام إجرَاءَات السَّفَر، فقَالوا: «المُشكِلَة يَا أحمد أَنَّ الخطُوط السّعوديَّة لَا تَلتَزم بالمَوعد، لذَلك يَذهب المُوظَّف هُنَاك دُون جَدوَى، ونَحنُ نُحَاول أَن نَلتَزم بمَواعيدنَا، رَغم النَّقص الوَاضِح؛ فِي عَدَد مَنسوبي الجَوَازَات فِي المَطَار»..!

اقتَنعتُ بهَذا الكَلَام، وذَهبتُ إلَى مَسؤول الخطُوط، وبَلّغته بالرِّسَالَة التي تَلقّيتها مِن الجَوَازَات، فقَال: «إنَّ تَأخير الرّحلَات لَيس بسَببنَا، وإنَّما بسَبَب إدَارة المَطَار، التي تُغيّر البَوَّابَات كُلّ دَقيقَة وسَاعَة»..!

كَان لِزَامًا عَليَّ بَعد ذَلك، أَنْ أَذهَب إلَى إدَارة المَطَار، وأَنقِل لَهم الرِّسَالَة التي تَلقيّتهَا؛ مِن مَسؤول الخطُوط السّعوديَّة، فقَالوا: «إنَّنا نُعَاني مِن ضغُوط فِي الرّحلَات، وصيَانة مُستمرّة فِي المَطَار، وشُحٍّ فِي البَوَّابَات، ونَفعَل كُلّ مَا بوَسعنا لحَلِّ المُشكِلَات.. إلخ»..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي التَّأكيد عَلَى أَنَّ هَذه حَالَة مُصغّرة؛ لكَثيرٍ مِن مَشَاكلنا، التي تَدور وتَدور ثُمَّ تَدور، دُون أَنْ تَجد حَلًا، لأَتذكَّر قصّة كُنَّا نَقرؤها فِي الابتدَائيَّة تَقول: «أَينَ الحَليب؟، الحَليب عِند الحَلاّب.. أَينَ الحَلاّب؟، الحَلاّب عِند البَقرَة.. أَينَ البَقرَة؟، البَقرَة فِي المَزرَعَة.. إلخ»..!!