المفاجأة، عامل بالغ الأهمية في إحداث الصدمة، فهل تفاجأ العرب بقرار ترامب بشأن نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس المحتلة؟!..

لو كان مصدر الصدمة في العالم العربي هو المفاجأة، فلذلك معنى وحيد، وهو أننا كعرب كُنَّا نيامًا على مدى أكثر من ثلث قرن، حين أصدر الكونجرس قراره بنقل السفارة. أما إن كان مصدر الصدمة هو «العشم في نزيل البيت الأبيض»، فقد برهنت الأحداث مرارًا على أنه عشم في غير موضعه، كما تبين لأغلب العرب في أغلب القضايا التي يتعلق بعضها بصميم بقائهم، فأمريكا لا تحسب حسابًا لمصالح أحد، بينما تمضي ببراجماتية مفرطة لتحقيق مصالحها.

أما إن كان مصدر الصدمة هو أننا نعتبر رضاءنا مصلحة أمريكية، وأن غضبنا، أو إغضابنا، قد يُهدِّد تلك المصلحة الأمريكية، فإننا نستحق المزيد من الصدمات لعلنا نفيق، أو نفهم، أو لعل جهازنا العصبي، إن كان ثمة جهاز عصبي لدينا، يستجيب للصدمة، ولو بنبضات أو مؤشرات على أننا ما نزال على قيد الحياة، ولسنا كما قال عنَّا نزار قباني ذات صباح بليد يشبه هذا الذي استيقظنا عليه قبل ساعات، في قصيدته الشهيرة «متى يعلنون وفاة العرب».

إذا كان العرب لم يتفاجأوا بقرار ترامب، الذي جاء في سياق ما يقول عنه إنه «صفقة القرن» ولا أراه إلا «صفعة القرن»، ففيم الصدمة إذن؟!.. وإن كانت صدمة عاطفية، وهذا هو الأرجح، فكيف نعالجها، وكيف نستجيب لها بعقولنا قبل حناجرنا

؟!..

لا أحد في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، يستطيع الزعم بأننا امتلكنا في أي وقت استراتيجية لا حنجورية للتعامل مع تهديدات استراتيجية لصميم وجودنا كأمة عربية واحدة، بل إن أحدًا لا يستطيع أن يزعم في أي وقت أن محاولات توسيع مسرح التضامن من عربي غائب إلى إسلامي محتمل، قد نجحت في إنتاج أي رؤية للمستقبل.

كنا طوال الوقت، بلا رؤية لأي مستقبل، وبلا استراتيجية لا لحماية الحاضر المرتبك، ولا لبناء مستقبل غابت مكوناته.

نحن مصدومون، ليس لأن ترامب. استخف بمشاعر ومصالح أكثر من ثلاثمائة مليون عربي، وأكثر من مليار مسلم، من أجل استرضاء ستة ملايين إسرائيلي، ولا لأنه فاجأنا وسط معسول القول، بمرارة الفعل، وإنما نحن مصدومون لأننا اكتشفنا أن غيابنا الطويل عن ساحات الفعل، قد حمل الآخرين على إنكار وجودنا أصلًا، أو على الاستخفاف بحقيقة هذا الوجود.

القدرة على الفعل لدى أيّ أمة، هي مناط الحضور والغياب، وهي محور التأثير والتغيير، فالأمم تحضر إن امتلكت القدرة على الفعل، وتغيب إن قصرت أدواتها عن إحداث التغيير والتأثير، ولا نستطيع أن نزعم حضورنا كأمة، بينما نحن في أغلب الأحوال مسرحًا لعروض الآخرين، ومادة أولية لأفعالهم.

لا تلوموا دونالد ترامب، لا تتحدثوا عن قصور في الرؤية عنده، ولا تحذروه من مغبة قرار سيقوض الاستقرار حتما في منطقة باتساع العالم الإسلامي كله من إندونيسيا في أقصى الشرق إلى مالي ونيجيريا في أقصى الغرب، فهو لا يبالي باستقرار تلك المنطقة، ولا يرى في تصاعد حضور داعش في منطقتنا تهديدًا لمصالحه، بل ربما أنتجت له داعش الرابحة من قرار نقل سفارة ترامب إلى القدس المحتلة، مزيدًا من ذرائع التنكيل بأمة، خرجت «طوعًا» من التاريخ، ودخلت «طوعًا» في سياق أمم بائدة.

غياب الرؤية، والاستراتيجية، قادنا جميعًا، إلى تلك اللحظة الآثمة، إما الخروج من بيت العجز، فلا سبيل إليه إلا بامتلاك رؤية واستراتيجية، لا ينتجها زعيم مهما كانت مكانته، وإنما تنتجها أمة شاركت في صياغتها بالوعي وبالإرادة الحرة.

الأحرار، يملكون الرؤية، ويعرفون الحقيقة، فلا تداهمهم الأزمات، ولا تحاصرهم الصدمات، ولا يستطيع أعداؤهم النيل منهم والتنكيل بهم، بمجرد جرة قلم.. هل عرفتم الآن لماذا نحن مصدومون؟!..