الصديق السويسري المقترن بسيِّدة حلبيَّة، يتابع معها باهتمامٍ كلَّ ما يجري من أحداث في دول شرق البحر الأبيض المتوسّط، من حلبٍ، التي أوفدته حكومته إليها وهو شاب في مقتبل العمر، لتعلُّم اللغة العربيَّة وآدابها، بدأ اهتمامه بالتاريخ القديم والمعاصر للعالم العربي وما حوله، عشق جمال لغتنا العربيّة، وما زال يحفظ عن ظهر قلب قصيدةَ أبي البقاء الرندي، ويفهم معانيها.. ويضيف الصديق السويسري «المستشرق لغةً وزواجًا» بأنَّ أبياتًا من قصيدة «لكلِّ شيءٍ إِذا ما تمَّ نقصان»، لأبي البقاء الرندي، تجعله يقف على ما وصل إليه حال المسلمين في آخر عهدهم بالأندلس، ثمَّ مماثلتها بواقع حال هذه الأيَّام في حلب وما حولها من بلاد الشام، وفي جنوب جزيرة العرب، وليبيا؛ حيث تُسفك الدماء، وتُهدم المدن والقرى والأرياف فوق رؤوس القاطنين فيها. ويفرُّ الملايين من سكَّانها إلى دول الجوار، وإلى أوروبَّا للنجاة بأنفسهم، ويقول بحسرة وألم: «ما أشبه اليوم بالبارحة». ويتبع قوله بترديد أبيات القصيدة في رثاء الأندلس:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ

فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأمور كما شاهدتها دُولٌ

مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد

ولا يدوم على حالٍ لها شان

يُمزق الدهر حتمًا كل سابغةٍ

إذا نبت مشْرفيّاتٌ وخُرصانُ

وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ

كان ابنَ ذي يزَن والغمدَ غُمدان

وَما أن انتهى صديقنا السويسري من ترديد هذه الأبيات، حتَّى تناهى الى أسماعنا خبر اغتيال الحوثيِّين للرئيس علي عبدالله صالح، والتمثيل بجثتَّه، معيدين للذاكرة ما حلَّ بالرئيس الليبي معمَّر القذَّافي في اليوم ذاته؛ الرابع من ديسمبر عام 2011م. صمت الصديق لبعضِ وقتٍ، وعاد ليُردِّد على مسامعنا أبياتًا من قصيدة معن بن أوس:

فَيَا عَجَبًا لمن رَبَّيْتُ طِفْلًا

أَلقّمُهُ بأطْراَفِ الْبَنَانِ

أعلِّمهُ الرِّماَيَةَ كُلَّ يوَمٍ

فَلَمَّا اشْتَدَّ ساَعِدُهُ رَمَاني

وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ الْقَوَافي

فَلَمَّا قَال قَافِيَةً هَجَاني

أعلِّمهُ الْفُتُوَّةَ كُلَّ وَقْتٍ

فَلَمَّا طَرَّ شارِبُهُ جَفَاني

وينهي الحديث بأنَّ الحوثيِّين بفعلتهم الشنيعة هذه أعادوا قصَّة «سنمار» الذي يُنسب إليه بناء قصر الخورنق. وما إن انتهى من بنائه، أسرَّ للملك النعمان، صاحب القصر بوجود آجرَّةٍ فيه، لو زالت لسقط القصر كلّه، ولا يعلم مكانها سواه.. فما كان من صاحب القصر إلَّا أن ألقاه من أعلى القصر، كي لا يخبر أحدًا عن مكان تلك الآجرَّة.. وهكذا لقي سنمار حتفه بيده! ومثله تمامًا لقي الرئيس اليمني علي عبدالله صالح حتفه على يد من تحالف معهم على مدى سنوات ثلاث، كانت كافيةً لتغلغل حكَّام طهران في اليمن سعيًا منهم لإحكام قوس الهلال الطائفي الفارسي على دول المشرق العربي كافَّةً. غير أنَّ تداعيات هذا الحادث وبشاعته في التخطيط والتنفيذ والتمثيل بجثَّة الرئيس المغدور، يُوجِّه أصابع الاتِّهام إلى حُكَّام طهران الذين استطاعوا تحريك عملائهم من الحوثيِّين في اليمن تحت مسمَّى أنصار الله، على غرار تحريك أنصارهم في لبنان تحت مسمَّى حزب الله؛ حيث فجَّروا موكب الرئيس رفيق الحريري، فطارت جثَّته هو ومن معه في رتل سيَّارات تجواله إربًا إربًا. غايتهم كانت نشر الفوضى والذعر والإرهاب في جميع الدول العربيَّة.