الكَاتِب الشُّجَاع لَا يَتعَالَى عَلَى الخَطَأ، ولَا يَجد فِي نَفسهِ مَلَامَة أَنْ يَعتَرف بتَراجعه؛ إذَا رَأَى أنَّه أَخطَأ فِي فِكرةٍ مَا، أَو تَحمَّس لرَأي، اكتَشف مَع مرُور الوَقت أنَّه لَا يَليق بِهِ.. أَقول هَذا الكَلَام؛ تَمهيداً لتَراجعي عَن رَأيي، الذي كَتبتُه قَبل سَنوَات، فِي التَّقليل مِن قِيمة ظَاهرة "الشّيلَات"..!

فِي البِدَاية، دَعوني أَعتَرف وأَزعم أَنَّني مِن أَوَائِل مَن انتَقد الشِّيلَات، حَيثُ كَتبتُ قصّة تويتريَّة قَصيرَة، حَملَهَا الطَّائِر الأَزرَق، وتَداولهَا النَّاس، قُلتُ فِيهَا: "سَألني: لِمَاذا تَنتَشر بَيننَا الشِّيلات؟، قُلت: لأنَّها المَخرَج الطَّبيعي والحَلّ العَملي؛ لمُجتمع يُحبّ الطّرب، ويُحرِّم المُوسيقَى"..!

بَعد هَذه القصّة، قَرأتُ عدّة تَشبيهَات تَدور حَول هَذه الفِكرة، وكُلُّها تَصبُّ فِي التَّقليل مِن شَأن الشّيلة، بَل تَنتقد مُحبِّي الشّيلة، وتَتبَاكَى عَلَى انتشَارها بَين الشَّبَاب، ولَم تَنسَ تِلك الأقلَام؛ أَن تَندب وتَصرخ عَلى ضيَاع الفَنّ الأَصيل وجمهُوره..!

مِن هَذا المنبر، أَعتَرف وأَقول: إنَّ فَنّ الشّيلة فَنٌّ مِن الفنُون -شِئنَا أَم أَبينَا- لَه جمهُوره ومُحبُّوه، وإذَا أَردنَا هَذا الجمهُور وهَؤلاء المُحبِّين؛ أَنْ يَحترموا آرَاءنَا، ويُقدِّروا أَذوَاقنا، فمِن وَاجبنا أَنْ نَحتَرم آرَاءَهم، ونُقدِّر أَذوَاقهم، فنَحنُ وهُم مِثل رَجُلٍ فِي أَعلَى الجَبَل، ورَجُلٍ فِي أَدنَاه. والرَّجُل الذي فِي الأَعلَى، يَعتَقد أَنَّ الرَّجُل الذي فِي الأَسفَل صَغيراً، ولَا يَعلَم أَنَّ الرَّجُل الذي فِي أَسفَل الجَبل، يُبادله نَفس النَّظرَة، ويَرَاه صَغيراً -أيضاً- مِن نَفس المَسَافَة الفَاصِلَة بَينهما..!

أَكثَر مِن ذَلك، مَن الذي يُحدِّد المقيَاس للفَنّ الأَصيل، الذي يُمكن أَنْ نَعتبره المعيَار، الذي تُجمع عَليه الذَّائِقَة البَشريَّة؟، لأنَّ عُشّاق الشِّيلات لَا يَختلفون عَن عُشّاق "أم كلثوم"، إلَّا فِي أَمرٍ وَاحِد، وهو أَنَّهم سَمعوا "أم كلثوم"؛ قَبل أَنْ يَسمَعوا الشِّيلات، ولَو كَانوا سَمعوا الشِّيلات قَبل أَغَاني "أم كلثوم"، لرَبَّما تَغيّر حُكمهم، لأنَّ العَقل -كَما يَقول الفَلَاسِفَة- يَحتلّه الأَسبَق، ولَيس الأَصوَب..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: إنَّ كُلّ قِيَم طَربيَّة وفنُون تَطريبيَّة، لَهَا مَذَاقَاتها ودَوَائرهَا، فأَنَا -مَثلاً- لَو كُنتُ فِي قمّة "رَسميّتي" ورَزَانتي، وسَمعتُ لَحناً خبيتيًّا، فلَن أُقَاوم هَذا الإيقَاع الخبيتي، بَل سأَتنَازل عَن اتِّزاني، وأَفقد السَّيطرَة عَلى انضبَاطي، لأترَاقَص وأَتمَايَل مَع الإيقَاعَات الخبيتيَّة..!!