في بؤرة المحنة الكبرى، وهذا الكم الهائل من الانفعال والصخب حد اللهب، تغلي الساحة بمشاعر قلق وغضب، ومرارة في الحلق، وطعنة في القلب، عبَّرت عنها الشعوب العربية والإسلامية وغير الإسلامية من الأمم الحرة كافة المحبة للعدل والحق. وسط هذا الصخب المبرر بالطبع، ينشط أولئك الذين أدمنوا الغش والكذب من العرب وغير العرب، يريدون إشعال الفتنة، بحيث تطال نار الغضب حقول فلسطين وتتلف ما فيها من الزيتون والعنب. وسط هذا الصخب ينشط هؤلاء، فيمارسون ألعابهم وتصرفاتهم وتصريحاتهم وأطروحاتهم المخجلة؛ بهدف إحداث قطيعة وزيادة الشكوك والبلبلة.. هؤلاء تحديدًا فرحوا كثيرًا بالقرار المهزلة، وراحوا يبالغون بمكرٍ وخبث في طرح الأسئلة.

من ذلك أن يسألوك: لماذا لا يحارب الفلسطينيون ويبدؤون الانتفاضة؟ فإن سألتهم: وهل ستدعمونها؟ زاموا وزاغوا! على الطرف الآخر أو في نفس الطرف ينشط هواة بل محترفو الإحباط من نوعية أولئك الذين يبثون ويروجون بخبث لنظريتهم القائلة: إن غضب الشعوب العربية لا قيمة له، وإنه محض صياح! فإن سألتهم عن الحل من وجهة نظرهم، لن يأخذوك لضرورة الوحدة في مواجهة العدو، أو ضرورة الاستعداد والإعداد لمواجهة العدو، وإنما الصداقة معه والرضا بالقليل؛ لأن المهم في هذه المرحلة أن تأخذ أي شيء حتى ولو كان إقليمًا لا يتمتع بالحكم الذاتي! من هؤلاء أيضًا من يختزل، فيُردِّد أن العيب في قرار ترامب هو فقط تفشي التطرف! إنه الحق الذي يراد به باطل.. فالباطل بعينه هو المساواة بين من يسعون لانتزاع أو استرداد حقهم في أرضهم، ومن يعيثون في نفس الأرص فسادًا وإفسادًا.

من ذلك أيضًا أن يعوم هؤلاء على عوم ترامب، فيقولون: إن إسرائيل أخذت القدس لأنها واحة للديمقراطية والتعايش، فإن سألتهم عن حقوق الإنسان العربي بل وبعض اليهود ناهيك عن كل صور وأشكال التنكيل والعنصرية، اتهموك بمعاداة السامية!

مثل هؤلاء من محترفي الإحباط، يحلو لهم الحديث كذلك عن قوة إسرائيل وخبرة الجيش الصهيوني، فإن حدَّثتهم عن مواجهات وحروب سابقة، وأن التاريخ دورات، انفلتت أعصابهم، فراحوا ينكرون بطولات بل أخلاق صلاح الدين، ويسخرون من عبور الأبطال المصريين لخط بارليف الحصين.

لاحظ كذلك أنهم هم الذين يبدؤون أو يخوضون معك في حديث الحروب، في مسعاهم الدؤوب لتعميق الإحباط.

إنهم يقاتلون فقط من أجل أن تظل الشعوب في سبات، ومن أجل ألا يعلو صوت الحجر ويخرج همس الورد والنبات.. إنهم يزرعون في العلن وفي الخفاء أشجار الإحباط والذل والانكسار والانحناء.

قل لهؤلاء وأولئك الذين يظنون أنها انتهت، وأنها كلها أيام:

إن القدس عادت أكثر سطوعًا على مستوى العالم.. وفيما كان المكر يحوم.. الحق تكلم. وحين ظنوا أن قرارها بل مصيرها في أيدي الأمريكان، غنَّى لها العالم في كل مكان.

لقد أصبحت القدس كما كانت على مدار الأعوام، راية وكوفية فلسطينية على أكتاف وأعناق الأحرار، وقلادة وعلامة على رؤوس الفتيات والفتيان الشجعان. قل لهم أخيرًا: إن القدس قد تبدو كجميزة عتيقة.. جفت مع الأيام، وذبلت خضرتها العريقة.. لكنها في الأرض من بدء الخليقة.. تصرخ بالحق وللحق.. للعدل وبالعدل.. والعالم كله معها وسيظل معها في قلب الحقيقة.