• المتأمل في التاريخ العربي الطويل؛ والمليء بالأزمات والنكسات، لا بد أنه لاحظ أن كل أزمة سياسية تمر بها الأمة، تفرز لنا قصائد جديدة من مُعلّقات الردح والشتائم (العربية - العربية)، وحلقات من مسلسلات التخوين والاتهام بالعمالة، التي صارت جزءًا مألوفًا من المشهد السياسي والثقافي العربي بعد كل نكسة أو انكسار! العجيب والمضحك أن نصيب إسرائيل (التي يتهم العرب بعضهم البعض بالعمالة لها) هو الأقل، مقارنة بما تحصل عليه بعض الدول العربية الفاعلة، التي تحصل على حصة الأسد من موشحات السُباب؛ رغم مواقفها الثابتة والواضحة من كل قضايا الأمة!

• يمكن إعادة أسباب هذه الثقافة (الصوتية) إلى الإرث (الشعبوي) الذي خلّفته دول ومنظمات وحركات الشعارات والصراخات اليسارية والثورية الفاشلة؛ التي لم تنجز طوال تاريخها غير قاموس ضخم من البذاءات والقبح الذي تحاول به تغطية فشلها، وتتنصل به من مسؤولياتها التنموية أمام شعوبها.. ويزداد الأمر سوءًا مع دخول بعض الأنظمة والأحزاب السياسية البراغماتية، التي تحاول هي الأخرى الاصطياد في مياه الأزمات العكرة، وتخليص حساباتها مع خصومها، ولو على حساب الأمة وقضاياها الكبرى!.. وهذا عين ما يفعله اتحاد إعلام ثلاثي الشر (نظام الحمدين، فلول الإخوان، نظام طهران).

• قلت في مقالٍ سابق: إن معظم المشكلات العربية - العربية، واقتتالاتهم وهزائمهم عبر التاريخ؛ سببها أن الأمة لا تعرف كيف تدير أزماتها ولا اختلافاتها!. فحتى وإن تطابقت وجهات نظرها حول قضاياها الرئيسة، يجد البعض في الأزمات واختلافات الرؤى حولها، فرصة مواتية للتنفيس عن ضغائنه من خلال التزييف والتأليب. فالعرب في الغالب لا يلجأون إلى أدوات الشفافية والمنطق والعقل، قدر لجوئهم للتجريح‏ والإقصاء.. مما تسبب في تراجع المصالح العربية العليا أمام المصالح والثأرات الصغيرة ونزعات تصفية الحسابات‏!.

• لا أود الدخول في متاهات التكوين النفسي المعقَّد للشخصية العربية؛ وتاريخها الطويل مع القمع والدكتاتورية والتجهيل، سأكتفي فقط بالإشارة إلى أن للتعليم العربي المتردِّي دورًا كبيرًا في عدم تخلص العقلية العربية من هذه المعضلة حتى الآن، حتى صار الانفعال سمة لافتة لمزاج عربي حاد؛ يفتقر للموضوعية والعقلانية، فتجده إما غارقًا في الشتم غير المبرر، أو مستغرقًا في المدح ‏غير المستحق!

• مع كل موجة شتائم عربية، أتذكر قصة ذلك الراعي العربي الذي برر نومه عن سرقة إبل قومه بالقول: «لقد أشبعتهم شتمًا وفازوا بالإبل».. الفرق أن (غلماننا) اليوم يشتمون أهلهم وتفوز (إسرائيل) بالإبل في كل مرة!