كنت وما زلت أرى أن معركة روسيا في سوريا، هي استكمال لمعركتها في القرم، وأن حربها ضد داعش، هي استكمال لحربها في القوقاز، وكنت ومازلت أعتقد أن معركة أمريكا ضد كوريا الشمالية، يمكن أن تكون استهلالًا لمعركة محتملة ضد إيران، وأن حرب أمريكا ضد نووي بيونج يانج يمكن أن تكون نموذجًا لحرب محتملة ضد نووي طهران، وكنت لهذه الأسباب، ولغيرها بالطبع، أتابع روسيا في القرم وعيني على سوريا، وأتابع أمريكا في الشرق الأقصى وعيني على الشرق الأوسط.

أقول لمن يحاولون في بلادنا استقطاب قراء الطالع، مطلع عام ميلادي جديد، لمعرفة ما قد تحمله إليهم السنة الجديدة من مفاجآت، لا تبددوا أموالكم لدى قراء الطالع، فقط التفتوا إلى ما يجري في الأزمة الكورية على مسرح الشرق الأقصى، لتعرفوا ما قد يجري هنا تحت أقدامكم على مسرح الشرق الأوسط.

بلغة الإشارة، يبدو أن الملف الكوري يتقدم ما عداه من ملفات خارجية أمام إدارة دونالد ترامب، أخطر الغمزات واللمزات في هذا الصدد حملتها طمأنات ريكس تيلرسون وزير خارجية ترامب، للصينيين، مؤكدًا لهم أن القوات الأمريكية سوف تنسحب من أراضي كوريا الشمالية، عائدة إلى مواقعها في كوريا الجنوبية، فور تحقيق أهدافها، إذا ما اضطرت إلى القيام بعمل عسكري لنزع التهديد النووي الكوري الشمالي.

تيلرسون يشير هنا إلى جاهزية الولايات المتحدة للقيام بعمل عسكري محدود ضد كوريا الشمالية، انطلاقًا من أراضي كوريا الجنوبية، ويسعى لطمأنة الصين، إلى أن واشنطن لا تنتوي احتلال كوريا الشمالية المجاورة مباشرة للصين، ولا تعتزم إجراء أية تغييرات على خارطتها، وأن مهمتها موقوتة، وهدفها محدد ومحدود.

ويتحدث مسؤولون وخبراء أمريكيون عن عمل عسكري أمريكي غير مستبعد، ضد كوريا الشمالية، في حال أخفقت الحلول الدبلوماسية، في التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات، أو في حال فشلت جهود استخباراتية في تغيير النظام الحاكم ذاته.

ويقول مفوضون أمريكيون لنظرائهم الصينيين، إن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة إلى التدخل عسكريًّا في كوريا الشمالية، إذا ما وقعت فيها اضطرابات داخلية، أو انقلاب قد تقع بسببه ترسانات أسلحة الدمار الشامل الكورية الشمالية في قبضة جماعات لا تتحلى بالمسؤولية.

سيناريوهات انتحال الأعذار، قبل أي تدخل عسكري أمريكي مباشر في كوريا الشمالية المتاخمة للصين، قد تشير إلى خطط أمريكية لتدخل في المدى القريب، قد تسعى واشنطن لتهيئة أسبابه، لكن ما يقوله وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون شيء، وما تقوله مراكز الأبحاث الأمريكية شيء آخر مختلف تمامًا.

تقديرات الباحثين في المراكز الأمريكية، لا تدع أمام واشنطن خيارًا للتعامل مع نووي كوريا، سوى بالتعايش السلمي، وفق شروط محددة، بل إن جورجي تولورايا، كبير الباحثين بمعهد كوريا- أمريكا North

38، التابع لجامعة جونز هوبكنز، ينتهي في دراسة تبحث آفاق حل دبلوماسي للأزمة المتفاقمة في شبه الجزيرة الكورية، إلى ضرورة تبني سياسات تحمل نظام بيونج يانج على الدخول في محادثات تهيء لتعايش سلمي، عبر اتفاقات للحد من التجارب الصاروخية والنووية، مثل تلك التي جرى توقيعها مع الاتحاد السوفييتي السابق، وينتهي تولورايا إلى القول بأن «كوريا الشمالية (النووية) الملتزمة بالسلام أفضل بالتأكيد من خوض حرب طاحنة في الشرق الأقصى لن ينجو من آثارها أحد».

خلاصة التصور الأمريكي في التعامل مع التهديدات النووية لكوريا الشمالية، بين خيارات قطع اليد النووية أو تقبيلها، تبدو محفوفة بالمخاطر، إذا ما جرى تبني هذا التصور للتعامل مع نووي طهران في الشرق الأوسط.

تلميحات أمريكية، تشير إلى مكاسب قد تجنيها واشنطن من الاكتفاء بمراقبة سلوك طهران، دون التصدي المباشر لها، قد تثير الشكوك لدى أقرب حلفائها بالمنطقة، في قدرة واشنطن على لجم برنامج إيران النووي، ما قد يحملها على تلمس الطمأنينة لدى حلفاء آخرين.

إذا اضطرت واشنطن إلى تقبيل الكف النووي لبيونج يانج، باعتباره واقعًا لا يمكن تغييره، فإنها ستفعل الشيء ذاته إزاء نووي طهران، وإذا نجحت واشنطن في نزع التهديد النووي الكوري في الشرق الأقصى سلمًا أو قتالًا، فإنها ستنجح في الشرق الأوسط أيضًا.

تابعوا ما يجري في الشرق الأقصى إذا أردتم معرفة ما سيجري بالشرق الأوسط، واستلوا السيوف، إن رأيتم أمريكا تُقبِّل الكفوف.