إن اتخاذ الرئيس الأمريكي ترامب قراره بنقل سفارة بلاده إلى القدس، والذي ينطوي في جوهره إهانة الشعوب العربية والإسلامية قبل الشعب الفلسطيني، لا يمكن أن يحقق الأهداف التي يتوهمها الرئيس «ترامب»، بل سيؤدي إلى إقناع الجميع بعدم جدوى المفاوضات مستقبلا مع إسرائيل، وعدم الثقة في أن تكون الولايات المتحدة وسيطا نزيها في عملية السلام، ويعكس أيضا عجزا واضحا للإدارة الأمريكية لعدم التكيُّف مع مقتضيات السلام وانحيازها التام لدولة إسرائيل.

وللحقيقة، فإن هذا القرار لم يكن مفاجئا بالنسبة لنا، فقد سبق للكونجرس الأمريكي بشقيه (النواب والشيوخ) أن صوَّتوا في عام 1995 بأغلبية مع نقل السفارة الأمريكية عام 1999 من تل أبيب للقدس، واكب ذلك استكمال عملية تهويد القدس من قبل إسرائيل التي بدأتها عام 1967، بل وأقامت احتفالاً أسمته (القدس 3000) بزعم مرور 3 آلاف عام على اتخاذ الملك داود مدينة القدس عاصمة للمملكة اليهودية عام 996 قبل الميلاد، وذلك بغية استدراج الرأي العام العالمي للاعتراف الرسمي بالقدس الموحدة.

لقد دلَّت كافة المفاوضات مع إسرائيل بعدم الوصول معهم لأي اتفاق، لأن المعارضين الإسرائيليين يرون بأن اتفاق (طابا) بمثابة بداية وعد «بلفور» جديد للفلسطينيين، وكانوا يرون في «بيريز» -الذي اغتالوه فيما بعد- بأنه أوجد دولة فلسطينية، ومنح قتلة اليهود؛ الشرعية ، مع العلم بأن اتفاقية (طابا) وضعت أمام المفاوض الفلسطيني الخطوط الحمراء، مثل القدس وحدود الكيان الفلسطيني القادمة، كما استثنى مواطني القدس الشرقية من عملية الترشح لانتخابات مجلس الحكم الذاتي، ولن نذهب بعيدا، فحق التمثيل المستقل، وحق تقرير المصير الذي ورد في اتفاق (كامب ديفيد) تم التراجع عنها في إطار اتفاقية «مدريد» الذي تضمن بدوره حقوقاً فلسطينية جرت بلورتها في مطلب الحكم الذاتي الشامل خلال الفترة الانتقالية، والإقرار بالانسحاب من جميع الأراضي والمدن الفلسطينية، ونقل كافة الصلاحيات لهم، تم التراجع عنه أيضا في اتفاق (طابا).

وكان «رابين» عند التوقيع على اتفاقية (طابا) قد نبَّه إلى أن الثوابت الإسرائيلية لن يتم التنازل عنها في المفاوضات مع الفلسطينيين، وفي مقدمتها رفض تقسيم القدس، والتي سوف تظل عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، ورفض العودة إلى حدود 67، وأن نهر الأردن هو خط الحدود الآمن لإسرائيل.

وحتى نكون واقعيين، ليس لنا من طريق لكسب المزيد من التنازلات سوى طريق التفاوض، ولكن هذه المرة عن طريق وسيط، -بالطبع- لن يكون «ترامب» وإدارته، بل برعاية طرف محايد، وأن يكون مشروع السلام العربي هو خارطة الطريق التي نستعيد عن طريقها كافة حقوقنا المغتصبة، (الأرض مقابل السلام).