أصبح لفظ الليبرالية هذه الأيام يتردد كثيرًا على مسامعنا، واختلف المرددون له حول تحديد مفهومه، بالرغم من تحديده علميًا، إلا أن البعض أصبح يُطوّعه كما يريد، أو كما يراه من زاويته الخاصة، فتارةً ينظر إليه كقيمة إنسانية، وتارةً كتصنيف اجتماعي، وتارة كحزب سياسي، وتارة كشتيمة، وهذه الأخيرة تحديدًا أصبح يطلقها الكثير من أفراد مجتمعنا، وخاصة من الفئة التي تنظر إلى هذا المفهوم بالصورة المطلقة لا المخصصة، وحتى تتضح الرؤية، ونُزيل بعض اللبس عند الكثير حول هذا المفهوم المشكل، سوف نطرحه أمام القارئ من زاويته العلمية الموضوعية، فنقول: إن الليبرالية تُفسَّر كمجموعة من الأفكار والمطالب التي تنادي بقيمتي الحرية والمساواة، فلو نظرنا إليها من زاوية كلاسيكية، نجد أنه يقصد بها الحرية، ولو نظرنا إليها من زاوية اجتماعية لوجدنا أنه يقصد بها المساواة، وبلاشك أن هذين المبدأين (الحرية والمساواة) يعدان من أهم المبادئ التي يقوم عليها ديننا الحنيف ، بل إن ديننا لا يقوم إلا بتوفرهما كسلوك اجتماعي ونظام إداري، وعند التتبع التاريخي لنشوء هذه القيمة كنظام إنساني، لوجدناه يعود إلى القرن السابع عشر الميلادي على يد الفيلسوف «جون لوك» حينما اتخذه كمبدأ يحارب به السلطة المطلقة، وتأليه الشخوص، ومحاربة الدكتاتورية بمختلف صورها، ودعم حقوق الإنسان ومحاربة التطرف الفكري والديني والإداري، وبالنظر إلى كل تلك المعززات التي قامت عليها الليبرالية، نجد أنها قيم إنسانية عالية، لكن البعض من الممارسين لها وخاصة من نظر إليها من الزاوية المطلقة (حرية مطلقة) تحولت من وجهة نظرهم إلى قيمة أو نظام يتعارض مع مبادئ الأديان، التي تضع لتلك الحرية حدود وضوابط ربانية، وهنا نجدها تخرج عن مرادها الحقيقي الذي أُنشئت من أجله، وهو الحرية المقيدة بضوابط الأديان، إلى قيمة مشوّشة تتعارض مع مبادئ وقيم تلك الأديان، ومطالب القيم الاجتماعية الفاضلة.

ولعل هذا المفهوم الذي يُعد قيمة فاضلة وسلوك حميد قد اتخذه البعض كسلاح لفرض الرغبات والأطماع من خلال تطويعه لمسارب قد يتحقق له من خلالها ما يطمع إليه، حيث اتخذه البعض كسلاح سياسي ذو وجهين يُحقِّق به ما يطمح إليه، ويضرب به من يقف عائقًا أمام أطماعه.. وسلاح ديني أو اجتماعي للقمع وفرض أجندات خاصة لا تمتُّ للدين بصلة، وهنا حدث الخلل، الذي ألبس قسرًا على مبدأ أو قيمة أو نظام الحرية عند من اتخذها سلاحًا للقمع، بدلًا من مرادها العلمي الذي أُنشئت من أجله.. والله من وراء القصد.