أرجو من الله أن يهدي جريدة «المدينة»، إذ طلبت من غير حاجةٍ ولا داع، وعلى مدى ٤٥ يومًا، من ١٤ متحدّثًا رسميًا لوزارات ومصالح حكومية، أن يردّوا على استفسارات مهمّة تخصّ خدمات المواطنين ومصالحهم، وتجنيبهم مكامن حصول الفساد، من منطلق التجاوب لتعليمات المقام السامي للوزارات التّي تنصّ على ردّها على وسائل الإعلام خلال ٣ أيّام، فما ردّت عليها الوزارات إلّا.. بالصمت!.

ومع هذا التصرّف الجميل لتلك الوزارات، أقترح استحداث وظيفة جديدة فيها اسمها: «الصامت الرسمي»، وإلغاء وظيفة «المتحدّث الرسمي»، وبالتالي توفير ميزانية إداراتها الكبيرة، وبيني وبينكم، هذا أفضل، فالصمت فضيلة، وقديمًا قالتِ العرب: إذا تمّ العقلُ نقصَ الكلام، والصمت زينة بدون حِلْيَة، وهيْبة بدون سلطان، وحصن بدون حائط، مصداقًا لقول الشاعر:

لا أرى الكلامَ يُزيِّنُ

الفتى..

والصّمْتُ خيرٌ لمن قد

صَمَتْ..

فكم من حروفٍ تجرُّ

الحتوفَ..

ومن ناطقٍ ودّ أن لو سَكَتْ..

بينما التحدّث صخب وإزعاج وضجيج، ولا حاجة للوزارات به، حتّى لو كان لغرض التفاعل الكيميائي والفيزيائي والوطني مع الإعلام لمعالجة السلبيات، وحلّ المشكلات الحادّة والمزمنة، ولا مُبرّر البتّة لتقليد العالم المتطوّر الذي لا يكفّ عن التحدّث، ولا يُقدّر الصمت، ويُصفّق دائمًا لمن يتحدث أكثر، ويصفه بالانفتاح، والحضور، والاجتماعية، وسعة الأفق، كما أنّ التحدّث يُسبّب التهاب الحلق والبلعوم والأوتار الصوتية والجيوب الأنفية، ويستلزم العلاج بالمضادّات الحيوية الضارّة، ويجلب السخونة والكُحّة والسُعال الديكي، ومن الأفضل وقاية المتحدّثين الرسميين من الأمراض، فالوقاية خيرٌ من العلاج، وإن كان التحدّث من فضّة فالصمت من ذهب، ذهب عيار ١٤ مثل عدد الوزارات والمصالح الحكومية الصامتة!.

وإنّي لداعٍ فأمّنوا معي: يا ربّ اكفنا شرّ صامتينا، أمّا متحدّثينا فإنّا كفلاء بهم، عسى الله أن يُنطِق الجميع نطقًا نافعًا!.