* الانطباع الذي لابد أن تخرج به من متابعة الفيلم السعودي القصير (المغادرون)، هو الإيمان أولًا بإمكانات الشباب السعودي، وقدرتهم على الإبداع والتميز والمنافسة؛ متى ما وجدوا الفرصة، ثم الإيمان أيضًا بأهمية السينما الجادة، وقدرتها على النفاذ في العقول، ومعالجة أشد القضايا تعقيدًا بطريقة سهلة، متى ما أُحسن استخدامها، بعيدًا عن التسطيح والتهريج.

* «المغادرون» فيلم شبابي عميق ومكثف، يُعرّي في نصف ساعة فقط فكرة التطرف؛ وتأثير الأفكار والعقائد الشاذة على الشباب؛ بطريقة غاية في البساطة والسلاسة، من خلال قصة شابين تجمعهما الظروف على متن طائرة مغادرة لإسطنبول، ورغم التباعد -وقل إن شئت التناقض- الأيديولوجي الكبير؛ بين شابٍ (متطرف دينيا) يُفكِّر في القتال والموت، وآخر متطرف أيضًا ولكن لعقيدته (اللا دينية) وإيمانه بالتقمص والحلول، إلا أن فكرة (الموت خارج الديار) تجمعهما عبر حوار جميل، يظهر للمتلقي (غباء) التطرف أيًّا كان نوعه، وحمق الاندفاع خلف أفكار تبحث عن طرق الموت، بدلًا من تبيان أفضل سبيل للحياة!

* الفكرة ليست جديدة، وكان يمكن تقديمها من خلال كتاب أو محاضرة فلسفية، لكن الصورة الاحترافية الجاذبة والسيناريو الجميل، والحوار الأكثر جمالًا الذي يقبض على المتابع منذ المشهد الأول، في إيقاعٍ لاهث ومُشوِّق، يقدم الفكرة (التي تشغل اليوم شرائح كبيرة من الشباب) بشكلٍ أبسط وأعمق، من خلال أداء أخّاذ واحترافي لأبطال الفيلم (خالد صقر ومحمد القس) اللذين يعيداننا إلى ما قلناه في بداية المقال عن تميُّز الشباب السعودي وقدرته على الإبداع.

* لاشك أن هناك بعض الملاحظات الفنية على العمل الذي جاء متزامنًا مع إعلان افتتاح صالات السينما في السعودية، لكن الفيلم الذي ينتهي برسالة مهمة يوجهها بطل الفيلم للشباب: «كنت أظن أنه ينقصني جسد، لكن اتضح أنه ينقصني روح، روح ليس فيها فراغ تسكنه قصص الصياد»، يؤكد للجميع أن السينما أداة تنويرية مهمة ووسيلة توجيه ناجحة متى ما أحسن استخدامها، وأن الأعمال الدرامية الهادفة (مهما كان حجمها) تترك أثرًا في النفوس، أكبر بكثير من مئات المحاضرات وآلاف النصائح المباشرة.

* شكرًا يا شباب.