من أول جملة قالت «نيكي هايلي» مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، إن بلادها ستستخدم حق النقض ضد مشروع القرار المصري بشأن القدس! والحق أنني فوجئت باستكمال كلمتها التي امتلأت بالأعاجيب وبالأكاذيب أيضا! ومن ذلك أن المشروع لا يخدم عملية السلام، وأنه يُجسِّد ازدواجية المعايير، وأن القادة الفلسطينيين يرفضون المفاوضات، وأن الموافقة على القرار تعني تشكيل لائحة سوداء، وأن الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يعني أنها ستكون لإسرائيل وحدها! وبادئ ذي بدء أقول: إن ما حدث يليق بمصر ودورها العروبي، مهما كانت عمليات التجميل أو التعديل في القرار، ومهما قال البعض إنه محض إبراء للذمة.. فالقدس في ذمة مصر والعرب والمسلمين إلى يوم الدين! لن أناقش في مدى ثقافة هيلي، أو أصولها، أو ميولها أو نحو ذلك، من أمور قد ينجرف لها البعض، تاركين صلب القضية.. والقضية باختصار هي أن القدس ستظل عاصمة فلسطين؛ لأنها في الأصل «عاصمة فلسطين»، وأن إسرائيل «دولة محتلة» بتعريف القانون الدولي، وأن واشنطن تمارس سياسة «ازدواجية المعايير» فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بشهادة الأمريكيين قبل غيرهم! الأكثر عجبًا ودهشة أن الجلسة استمرت؛ حيث تحدَّث مندوب الأورجواي فأفاض عن انتهاكات إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة، ثم مندوب بوليفيا الذي أصر على أن القدس الشرقية عاصمة لفلسطين! وتحريًا في الالتزام بالشكل لا المضمون، رُفعت الجلسة لمشاورات سرية قبل أن تعود للانعقاد!.

في ضوء ذلك أقول: لماذا تُعقد جلسات لمجلس الأمن أصلًا؛ طالما كانت رصاصة الفيتو في جيب هايلي؟ ولماذا تدور المناقشات، ويتحدَّث الأعضاء الدائمون وغير الدائمين، وتنفضّ الجلسة؟ لماذا هذه المشاوير وليس المشاورات، ولماذا هذه التكاليف، وليس السفريات؟!.

لقد بدت المندوبة الأمريكية وهي تتحدَّث عن إجهاض السلام، وازدواجية المعايير، وكأنها أعطت ظهرها للسادة الأعضاء، وللسيد رئيس الجلسة، وكل من «نوَّروا المحكمة»، بحيث جاءت الجلسة أشبه بمسرحية كوميدية! لقد استخدم حق النقض في مجلس الأمن لتشجيع بعض الدول على المشاركة في الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، بعد أن بدا لها أنها قد تخسر بعض الامتيازات في حال شاركت في منظمة تحترم الديمقراطية، قبل أن يتحوَّل (الفيتو) لوسيلةٍ مناسبة في يد الولايات المتحدة - ليس فقط لدعم إسرائيل - بل للاعتراف بالقدس عاصمةً لها!! ولأن ذلك كذلك، فقد تحوَّل حق النقض إلى حق أمريكا في النكد، أو التنكيد على الشعوب العربية الإسلامية، التي تتعلق قلوبها بالقدس، وبالمسجد الأقصى وبكنيسة القيامة! يُذكر هنا بالمناسبة وللحق، أن روسيا وقبلها الاتحاد السوفيتي استخدمت حق النقض 123 مرة، فيما استخدمته روسيا نحو 76 مرة معظمها لصالح إسرائيل، وبريطانيا 32 مرة، وفرنسا 18 مرة، والصين 5 مرات! أعرف أن ما حدث في الجلسة تحصيل حاصل، وأن نتيجة التصويت معروفة مسبقًا، وأن الحل الآن هو توجُّه الفلسطينيين بالشكوى للأمم المتحدة، لكني حتى الآن على الأقل لم أفهم جملة هايلي وهي تقول: إن الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل لا يعني أنها ستكون لهم وحدهم! ما يبعث على الاطمئنان، أن القدس ليست قضية فلسطين وحدها ولا العرب وحدهم، ففيما كان يتم التحضير للجلسة التي أنهتها هايلي قبل أن تبدأ، كان الملايين يزأرون بالغضب في إندونيسيا، وكان مؤتمر رابطة العالم الإسلامي في موريتانيا يُؤكِّد أن القدس ستبقى عاصمة فلسطين!