حملتنا سنوات الاضطراب العشر الأخيرة، منذ تفجُّر الأزمة المالية العالمية في العام 2008، إلى محطات الحكمة قسرًا.

تقول أمريكا التي انطلقت منها شرارة الأزمة المالية العالمية بعد انهيار بنك ليمان براذر تحت وطأة فضائح الرهن العقاري، أنها خسرت ثلاثة تريليونات دولار لدى خروجها لإعادة هيكلة النظام الدولي بالقوة إثر هجمات سبتمبر، بينما تشير تقديرات إقليمية شرق أوسطية، إلى أن اقتصادات المنطقة خسرت ثلاثة تريليونات دولار أخرى منذ اندلاع الشرارة الأولى لما يُسمَّى بأحداث «الربيع العربي».

التداعيات المالية والاقتصادية والاجتماعية للأزمة المالية العالمية، قادتنا إلى مشهد ما سُمِّي بالربيع العربي، الذي كلَّفتنا سنواته العجاف نحو ثلاثة تريليونات دولار، لا تشتمل بالطبع على فاتورة إعادة إعمار ما يجري هدمه منذ سنوات.

الأمن كأولوية، يتقدَّم على كل بنود الإنفاق الوطني في كل دول المنطقة دون استثناء، بينما ترفع المخاوف الأمنية مستوى الوعي السياسي العام لدى البسطاء في العالم العربي، ممن عاشوا وتناسلوا أجيالًا وراء أجيال، دون أن يستوعبوا أنهم وقود التغيير ومادته الأولية وغايته أيضًا.

قبل أيام من بداية عام 2017 الذي يلملم الآن أوراقه استعدادًا للمغادرة، قلت: إن الساعات الأخيرة من العام المغادر (2016) ترسل النذر، ولا تحمل البشارات، وقلت أيضا: إن لدينا في مطلع العام الجديد، مؤشرات تُرجِّح تصاعد موجات الاٍرهاب، وانتشارها إلى مناطق لم تكن من قبل على خارطة جماعات الاٍرهاب المسلح.. وقلت كذلك: إن العام 2017 مع ذلك، قد يكون أقصر الأعوام عمرًا، بسبب حال الإنهاك الشديد الذي يصيب غالبية أطراف الصراعات القائمة، وتوقعتُ أن تشهد نهايات العام 2017 الجاري، بدايات سلام الأمر الواقع، حيث يجري توزيع غنائم الصراع قرب نهاية العام، كلٌّ بحسب نصيبه من الإنهاك.. الطرف الأقل إنهاكًا بالطبع، هو مَن سيحصل على حصة أكبر من غنائم الصراع.

هل يستطيع أحدكم أن يدلني على الطرف الإقليمي الأقل إنهاكًا قرب نهاية العام الجاري؟!.. السؤال ليس صعبًا، والإجابة في متناول مَن يريدها، فكل الأطراف الإقليمية نال منها الإنهاك، عدا إسرائيل، التي حصدت جوائز عمرها قرب نهاية العام.. هل يستطيع أحدكم أن يدلني على الأطراف الدولية الرابحة من سنوات الربيع العربي قرب نهاية العام؟!.. كل الأطراف الدولية المعنية بالمنطقة خرجت رابحة، وإن يكن بحصصٍ متفاوتة، بحسب جسارة المبادرات، أو التردد في إبدائها، لكن روسيا تبدو الطرف الأكثر حصدًا للجوائز، إذ ساعدتها أزمات المنطقة وحروبها، على الخروج من معركة ضم القرم، بأقل خسائر ممكنة، كما مكَّنتها من الحصول على قاعدة بحرية واُخرى جوية، في سوريا شرقي المتوسط، وفي زعزعة ارتباط تركيا بالناتو، وفي توجيه ضربات استباقية لدواعش القوقاز الروسي خارج روسيا، في سوريا والعراق.

قلت أيضًا في استقبال عام 2017: إنه عام رفع مُخلَّفات الموائد، التي جرى فوقها تمزيق أوصال المنطقة العربية، وأن العام 2018 قد يكون عام غسل الصحون. لكنني أعترف أمامكم الآن بأنني ربما كنت مُتسرِّعًا، أو متجاوزًا، أو متفائلًا، فلا نهايات العام الجاري، ولا بدايات العام الجديد تشير إلى رفع الموائد، ولا إلى غسل الصحون، فأمام المدعوين إلى موائد الإقليم فسحة زمن إضافية قد تستغرق العام الجديد كله.

انشغال إدارة ترامب المُرجَّح بملف كوريا الشمالية في العام الجديد، قد يسحب بساط الاهتمام من تحت إقليم الشرق الأوسط، وقد يفسح المجال بالمنطقة أمام اختبارات جديدة لموازين قوى إقليمية قائمة أو مستجدة.

سخونة التطورات بالمنطقة خلال العام الجديد، قد تكون لافحة، لكن شعوب هذه المنطقة تستمد شعورها بالأمن، من علاقتها الخاصة جدًا مع الزمن، فهذه المنطقة تملك من التاريخ وخبراته، ما لا تملكه أي أمة فوق سطح هذا الكوكب.

وشعوب تلك المنطقة يسكنها يقين، أنها باقية، وأن كل الغزاة والطغاة زائلون، وأن الحوادث مهما كانت عاتية، فإن سيف الزمن بيد الشعوب، يستطيع تطويقها وتطويعها وهزيمتها.. ألم أقل لكم في مقدمة هذا المقال: إن سنوات الاضطراب الأخيرة، قد حملت شباب المنطقة مبكرًا إلى محطات الحكمة؟!.