القلق يجلب الأرق. والأرق يجلب الإنهاك فالمرض. وفي الأثر: «لَا تَمَارَضُوا فَتَمْرَضوا، وَلَا تَحْفُروا قُبُوْرَكُم فَتَمُوتُوا».. ممَّا يسبِّبه الأرق، قلَّة النوم وأمراض نفسيَّة شائعة، خاصةً بين ميسوري الحال، وهذه الأمراض تكاد تكون معدومة لدى ذوي الدخل المحدود، فهؤلاء في غالبيَّتهم يحمدون الله على صحَّة الأبدان، ونعمة الإيمان، حيث إنهم مقتنعون بأنَّ الخالق هو الرزّاق، وهو مقسِّم الأرزاق بين عباده، تراهم راضين بما قسمه الله لهم من رزق. وينظرون إلى مَن هم دونهم، فيزدادون قَبولًا لمقولة: القناعةُ كنزٌ لا يفنى، وأنَّ نصيبكم يصيبكم.

حال الأفراد كحال المجتمعات! فحيث يتبارى البعض في (ماراثون) جمع الثروة على ما سواه من سلوكٍ وأخلاق، تكثر حالات الاكتئاب والانتحار. ولنا في بلادٍ كالسويد واليابان مثلًا وخير دليلٍ. والحال ذاته في مجتمعنا منذ أن طغى (تسونامي) الثروة المفاجئة على العديد من أفراد المجتمع، فغيَّر كثيرًا من طباعهم وعاداتهم وأسلوب حياتهم. وانتشرت حول مقارِّ سكناهم عيادات الطبِّ النفسي. ولا يُستبعد أنَّ بعضهم يقصد عيادات الطبِّ النفسي خارج بلده للاستشفاءِ سرًّا.

في المقابل، يتمتع سكان مدينتنا المنوَّرة بالهدوء والقناعة، والرضا بما أكرمهم المولى -عزل وجل- به من جوارٍ كريم، تهفو إليه قلوب المؤمنين. ومن استجابة المولى تبارك وتعالى لدعاء رسوله الكريم لأهلها بزيادة البركة في مدِّهم وصاعهم

. ويُروى عن أنس بن مالك حديث شريف؛ قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ بِارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِم، وَبَارِك لَهُمْ فِي صَاعِهِم وَمُدِّهِم». و»اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِيْنَةِ ضعْفَيَّ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةَ».

يلمس هذه البركة كلُّ من أقام في طيبة الطيِّبة؛ المدينة المنوَّرة، مثوى رسول الله عليه الصلاة والسلام، عندما يُماثل نفقات معيشته فيها بنفقاته في مدنٍ غيرها سكنها في المملكة. ناهيك عن الراحة النفسيَّة والطمأنينة، إذ تكفي زيارة لبيت رسولنا الكريم، وصلاة في الروضة الشريفة، لتزيل أيَّ همٍّ أو كدرٍ من مجريات الأمور في الحياة اليوميَّة.

الملاحظ أنَّ كثيرًا ممَّن يعتمدون في تغطية نفقات معيشتهم على راتب شهري، يَقبلون فيها براتبٍ أقلَّ ممَّا هو معروض عليهم في المدن الكبرى، كالعاصمة الرياض أو جدَّة، وتبقى لهم وفرة في نهاية الشهر.. وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «المَدِيْنَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».

اللهم بارك لنا وللمسلمين أجمعين في صحتِنَا وأرزاقِنَا، واحفظ بلادنا وولاة أمورنا من كل سوءٍ ومكروه. والله من وراء القصد.