مشكلة الفتاة «عهد باسم التميمي» ليست في المعتقل، ولا في الحرمان من سنوات الدراسة! المشكلة أنها لم تجلس لتنتظر قرار مجلس الأمن ولا قرار الجمعية العامة ولا صياغة صفقة القرن!

مشكلة «عهد» أنها أدركت أن الانتظار لنتائج المجالس وخُطب المجالسة لن تُفيد ولن تُعيد المدينة المقدسة.

مشكلة «عهد التميمي» أنها سألت نفسها أثناء سير الحصة: ماذا تفيد الكلمات اليائسة والصيغ البائسة، ومطأطئو الرأس لا يملكون إلا المفردات المرتبكة والمواقف الناعسة.

مشكلة «عهد» أنها أدركت مبكرًا أن كبرياءنا العربي مات في صحراء انكساراتنا المشمسة! منذ أن أصبح الحديث عن مقاومة المحتل، خروجًا عن النص، ودربًا من المشاكسة.

مشكلة «عهد» أنها أدركت حجم الفاجعة منذ أصبح الحديث عن صلاح الدين دربًا من الجنون، والحديث عن تحرير الأقصى الأسير نوعًا من المجون.. ومنذ أصبحت مفردات حطين والكرامة والفداء مقترنة بالإرهابيين!

مشكلة «عهد» أنها أدركت أن الحديث عن فشل السلام وعن أرضنا المدنَّسة ممنوع من الاقتراب، مممنوع من الملامسة. وأن الحديث عن حتمية الكفاح نوعاً -والعياذ بالله- من السفاح.. وأننا لابد لنا من ترك قيمنا وشعاراتنا والأخذ بالقِيَم والشعارات المستعارة؛ ولا مانع أبداً من تجرُّع المرارة.

مشكلة «عهد» أنها أدركت أن الخُطب لا تُعيد حقاً قد اغتُصب، ولأنها كذلك، فقد خرجت تُزيل العدوان على بيتها وأرضها ولو بقبضة اليد.

المشكلة أن البنت لم يغوها الزبد، وأنها في دفاعها عن قدسها لا تعتمد على أحد، إلا على الواحد الفرد الصمد.

مشكلة «عهد» أنها عندما تعود للبيت، تستبدل ضفائرها بأخرى من لهب.. وتهجر ثوبها المدرسي ومشيتها المدرسية وتحيلها عسكرية خوفاً على فلسطين.. خوفاً على الهوية.. يتحوّل صراخها إلي نيازك وشهب، ويتحوَّل وجهها لقرصٍ من الشهد.

ومشكلة «عهد» أنها وردة أدركت في الزمن الألد، أنه لابد مما ليس منه بد.. وأنها لن تتنفس ولن تنتعش طالما في حلمها قيد.

مشكلة «عهد» أنها حين كانت تقبع في مهد طفولتها تحتضن دميتها حتى لا تُسرق أو تبتعد، اكتشفت أن اللص الصهيوني يعربد.. من يومها آثر جفنها أن ينعقد.

مشكلة «عهد» أنها لمَّا رأت الأحزان حولها تضطرد آثرت العناد والكمد، وتجاوزت خفقة القلب ورعشة الجسد؛ فأصبحت أكثر جرأة من ألف ولد.

في ضوء ذلك؛ خرجت «عهد» لتركل الجندي المرتاب؛ بقوة وعزم وعناد.. بشرف طوح بالأصفاد.

ولأن وجه «عهد» لم يعرف الأصباغ بعد؛ فقد بقي كلون الدم الحر.. عزة نفس في مسقط الرأس.. تدرك الصغيرة أن الشهداء ينتظرون في الحديقة حتى تحين لحظة الحقيقة.

يا أطفال فلسطين ويا كل الأطفال.. «عهد» تريد أن تقول: إنك لو طأطأت رأسك بعت.. ولو طأطأت أكثر قالت عنقك: سيدي القاتل المغتصب.. هيت لك!.