* عندما تُصرّ على رواية ضعيفة تاريخيًا؛ تناقض كل الروايات الثابتة والمتواترة عن حادثة شهيرة؛ لم تغادر تفاصيلها وجدان الناس بعد.. فأنت هنا أحد اثنين: إما جاهلٌ بالتاريخ.. أو صاحب هوى!. ولأنني أعرف أن الأخ العزيز الدكتور فايز البدراني ليس جاهلًا بالتاريخ؛ ولا حتى حديث عهد بالتعامل معه، فإنني أُرجِّح أن دفاعه (الغريب) عن فخري باشا الحاكم التركي الذي تجمع كل مصادر التاريخ على أنه سام المدينيين سوء العذاب، يقع ضمن الخيار الثاني.. خصوصًا أنه -وأعني (البدراني)- قد شكك وطعن حتى في ذمم بعض أبناء قبيلته، من أجل تأكيد روايته (الشاذة) التي قد نتفهم أسبابها من خلال تفهمنا لسياق الأحداث السياسية في المنطقة اليوم.

* تهجير أهل المدينة، أو (سفر برلك) حادثة لا تزال قريبة جدًا من العقل والتاريخ الجمعي المديني، فبُعدها الزمني لا يتجاوز 100 عام؛ مما يجعل المغالطات التاريخية بها أمرًا شبه مستحيل، خصوصًا أن بعض شهودها ربما لا يزالون على قيد الحياة، فضلًا عن أنها صارت جزءًا من الموروث الثقافي المحكي للمدينة، فحتى سنوات قليلة كان كبار السن يُحدِّثوننا (شفاهةً) عن هذه الفاجعة التي أراد بها (عمر فخري باشا) الحفاظ على كرامته العسكرية؛ وإنْ على حساب المدينة وأهلها.. وما ذكره الأخ البدراني من أن الرواية المنتشرة في الكتب عن العثمانيين مصدرها إنجليزي، وأن فخري باشا شخصية مظلومة، كلام ينفيه معظم كُتَّاب ومُؤرِّخي المدينة الذين عاشوا الحدث بأنفسهم، ووثَّقوه في كتبهم، أمثال محمد حسين زيدان وعلي حافظ وغيرهما ممن أكدوا كوارث العثمانيين وجرائمهم، وتجويعهم للمدينة من أجل إطعام الجيش، حتى إن أهلها أكلوا القطط والكلاب، ويذكر علي حافظ أن تعداد أهل المدينة قبل التهجير كان قرابة 80 ألفًا، لم يعد منهم بعد رحيل الأتراك إلا 15 ألفًا، فأي جريمة حرب هذه؟!

* إن مشاركة القبائل العربية في الثورة لم يكن لدافع (مادي) كما أراد الأخ فايز تصويره، بل كان نضالًا عربيًا ضد الطغيان والاستبداد التركي الذي كان يرى العرب عالة على الدولة مع (اليهود والغجر)، وهو نضال يجب أن يفتخر به الأخ فايز، الذي يبدو أنه غفل عن أن المدينة المنورة لم تكن المدينة العربية الوحيدة التي تعرَّضت لهذا الظلم التركي الممنهج، فهناك (سفر برلك) مماثل حدث في سوريا ولبنان، وتحدَّثت عنه العديد من الكتب والروايات والأفلام، كان بطله (أحمد جمال باشا) حاكم بلاد الشام الذي لا يقل بطشًا وصلفًا عن فخري باشا!.

* التاريخ المستنبط من وثائق السياسيين ومذكراتهم قد يكون محرَّفًا أو مؤدلجًا أو حتى ظالمًا.. لكن التاريخ المكتوب بدماء الناس وعذاباتهم هو التاريخ الحقيقي.. وهو أمر لا أظنه يخفى على مؤرخ حاذق مثل الدكتور فايز.