سيكون الثالث من يناير المقبل، يومًا فارقًا على مستوى أمعاء الشعوب! حيث دعت الولايات المتحدة الأمريكية الدول التي رفضت أو امتنعت عن التصويت حول قرار إدانة أمريكا باعتبارها القدس عاصمة إسرائيل، على عشاء «سحت» فاخر، وزعت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي، رقاع دعوته!

ولأن غالبية الدول الرافضة، لا يسمع عنها أحد، وحتى لا تزيد المائدة الأمريكية من حجم الفضيحة الدولية، فقد تقرَّر دعوة الدول التي غابت عن الجلسة التاريخية، بحيث يكون إجمالي الدول الجالسة على مأدبة هيلي 65 دولة! والحق أنني لا أعرف على وجه الدقة كيف سيتم توزيع تلك الدول على مائدة العشاء، وما إذا كان سيتم تخصيص طاولة للرافضين، وأخرى للممتنعين، وثالثة للغائبين، أم أنهم سيتحلَّقون جميعا حولي نيكي هيلي.

الأقرب إلى المنطق «الأمريكي» الحالي طبعا أن الرافضين الذين هم يُؤيِّدون حق إسرائيل في هضم أو بلع القدس سيتصدَّرون مأدبة العشاء، باعتبار أن الموقف الأمريكي من الآن فصاعدا سيكون على قدر تنفيذ الحليف للأوامر! وفي ضوء ذلك سيجلس ممثلو: غواتيمالا وهندوراس، وجزر مارشال، وميكرونيزيا، وناورو، وبالاو، وتوغو في صدر المائدة الكبرى.

وفي الصف الدائري الثاني، سيجلس ممثلو الدول التي امتنعت عن التصويت وهي: الكاميرون، وكندا، وكولومبيا، وكرواتيا، والمكسيك، ورومانيا، ورواندا، وأوغندا، وجنوب السودان، والفلبين، والبوسنة، وأستراليا، والأرجنتين، وتشيكيا، ولاتفيا، وبولندا.

وفي الصف الثالث، سيجلس الذين غابوا عن الحضور يوم التصويت، وهم مندوبو: إفريقيا الوسطى، والكونغو الديمقراطية، والسلفادور، وجورجيا، وغينيا بيساو، وكينيا، ومنغوليا، وميانمار، ومولدوفا، وسانت كيتس ونيفس، وسانت لوسيا، وساما، وسان مارينو، وسان تومي وبرينسيبي، وسيراليون، وسوازيلند، وتيمور الشرقية، وتونغا، وتركمانستان، وأوكرانيا، وزامبيا.

والحق عندي، أنه من الأكرم، لمن غابوا يوم التصويت، حرجا أو مرضا، أو نحو ذلك، وعددهم 21 ألا يحضروا العشاء، فإن حضروا فهذا يعكس، معان متعددة، على الأقل عند الشعوب التي لا تبيع نفسها أو مواقفها مقابل وجبة عشاء! لكن هذه الحالة قد تنطبق أيضاً على الممتنعين عن التصويت، وعددهم 16، أما الذين رفضوا، فمِن حقهم أو مَن فُجرهم حضور العشاء بأعلام بلادهم التي لا يعرفها كثيرون!

قد يقول قائل: إن مسائل «الكرامة» و»عزّة النفس» و»اطعم الفم تستحي العين»، وكل تلك المعاني والإيحاءات تخص العرب وحدهم، وهذا غير صحيح، وتناقضه مواقف كثيرة أكثر من أن تُعد، ويكفي في ذلك أن معظم الدول الرافضة للقدس عاصمة لإسرائيل غير عربية وغير مسلمة.

إن الدول الرافضة للقدس عاصمة لإسرائيل، لن تبيت دون عشاء! كما أن معظمها من الأساس يُدرك أن الاعتماد في غذائه على الآخرين شرٌّ مستطير، فإن شعرت بعض الدول العربية والإسلامية -تحديداً- بالجوع، فلتبدأ من الآن في زرع القمح، ولا تستمع لمن يقول: إن شراءه أوفر،

ولتبدأ في تصنيع أو توطين صناعة السلاح، ولتبدأ في إنتاج الدواء، هذا هو الأنفع والأكرم، حتى لا تظل رهينة لوجبة العشاء!

وبعيداً عن العشاء، لابد أن تعرف أن الدول الرافضة للقرار الأممي بخصوص القدس هي في الأصل مجموعة مستعمرات أو جزر في المحيط الهادي والبحر الكاريبي! ولأن ذلك كذلك، فقد تطبق مبدأ «كُل واشكر»! ولكن! هل عرفت الآن لماذا كان السعي الحثيث لانفصال جنوب السودان عن شماله! ولماذا كان الاهتمام الصهيوني بانفصال كردستان عن العراق؟!.