انتشرت لدينا المُجمّعات التسويقية العملاقة والفاخرة، تلك التي تُعرف شعبيًا بالمُولات، وأصل كلمتها يعود لكلمة Mall الإنجليزية، وكم هو مُجحِف بحقّ لغتنا العربية ألّا نُطلِق على المجمّعات اسمًا عربيًا وهي الذاخرة بالمُفردات المناسبة لكلّ شيء في كلّ مكان وزمان!.

وليس هذا بيت القصيد، بل إنّ المُولات تشهد إقبالاً كبيرًا من الناس، ليس في عطلة نهاية الأسبوع فقط بل حتّى في الأيام العادية، خصوصًا من العائلات التي تكاد تسكنها من كثرة ارتيادها لها في الليل والنهار!.

غير أنّ الشركات المالكة لها، وعددها بالمناسبة قليل، وبعضها تمتلك أكثر من مُول في المدينة الواحدة، تُديرها بأساليب العصابات أكثر من أساليب التجارة المحترمة، فأسعار إيجاراتها -مثلاً- مرتفعة لدرجة الفُحْش، وتُؤجّر أرضية صغيرة جداً فيها لا تتجاوز بضعة أمتار مربّعة لكِشْكٍ خشبيٍ بأحد ممرّاتها بربع مليون ريال في السنة، فما بالكم بالمساحات الأخرى التي تكبرها بمئات المرّات؟ وأجزم أنّ الشركات تربح المليارات بعد تعويض رساميلها التي أنفقتها عليها عند إنشائها خلال سنوات قليلة، وبالطبع لا يستطيع تحمّل أسعار إيجاراتها سوى الشركات الكبيرة صاحبة الماركات التجارية العالمية التي بعضها مملوك أصلاً لمُلّاك المُولات، وهكذا تتداول شركات المُولات وشركات الماركات الأرباح المالية الهائلة فيما بينها، الأولى تربح من أسعار الإيجارات، والاثنتان معًا تربحان من الأسعار المرتفعة للسلع، وكلّ ذلك على حساب المستهلكين، ممّن سيتحملون الضرائب أيضًا في القريب العاجل!.

غير أنّ أخطر عاقبة لأسلوب المُولات العصاباتي هو إقصاء المؤسّسات الصغيرة والمستثمرين الأفراد منها، إذ لا مكان للضعفاء بين الأقوياء، وهذا عامل سلبي على الاقتصاد لأنّ الطبقة التجارية المتوسّطة ستنسحب رُويدًا رُويدًا من السوق، فالنشاط التجاري في المُولات أكبر ممّا هو خارجها، والزبائن أكثر فيها وقوّتهم الشرائية أعلى، بينما تتفرّج وزارة التجارة بلا أيّ حراك إصلاحي يُعيد بعض التوازن المطلوب والمفقود لهذا الوضع التجاري الاحتكاري والغريب!.