كان بجواري مسافرًا في رحلة من جدة إلى الرياض، يتلقّفه الضوء وتتابعه الإيماءات والابتسامات، فمعظم المسافرين يتوقفون للسلام عليه، حتى مضيفو الطائرة يتلطفون ثم يطلبون التصوير معه، تمتمت في نفسي لابد أن جاري في الرحلة من المشاهير وسألته من أنت سيدي... رد مبتسمًا أنا الكابتن أحمد عيد لاعب كرة قدم متقاعد.. تذكرت اسمه، مر من هنا وهناك في عالم الرياضة... اعتذرت له لعدم معرفتي به لقصورٍ فيَّ بمتابعة الرياضة ومشاهيرها ولأننا نحن النساء كنا دائمًا غريبين على ملاعب الكرة ونجومها، حاول أن يختزل لي بلطف سيرته الطويلة بساعتين وهي زمن الرحلة، استمعت إليه يسرد حكاية والده الذي ترك أثرًا كبيرًا في حياته العم عيد رحمه الله ثم عرّج على حكاية أول مكافأة مادية له جاءت من الكرة وهي عبارة عن «1050» ريالًا قيمة الموتر سيكل الذي أهداه إياه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل رحمه الله والمارثون المشروط من عم عيد بعشاء الأمير عبدالله الفيصل لتصبح عشاءً سنويًا، كنت أتلقى الحكايات مثل طفل مفطوم حديثاً في فمه بقايا حليب وفوق وجهه دهشة طعام جديد.. كان صوت أيقونة الرياضة (أحمد عيد) كتغريد عصفور يسقط من تلة يبعث ضوء خافت كأنه عسجد ينزل الدرج الحجري ويغيب في الروح.. أخذت أستمع إلى رجل مكافح جمع بين المعرفة والتعليم والاحتراف، إحساس فخر بقصص أبناء هذا الوطن، كنت استمع في حالة من السمو الروحي أحببت أن أشارك بعض القراء بمقتطفات بذلك الرحيق في محاولة لإنقاذهم من طوفان عبارة «فشل السعوديين» وفي نفس الوقت أقوم بالهرب من الكلام في السياسة والصحة والخلافات المذهبية التي أصبحت تغص بها حياتنا..

أكتب اليوم لكم عن أحمد عيد.. عن ابن حارة الهنداوية بجدة يتحدث عن الحارة وأهلها كأنها اليوم.. قلبه لا يكف عن الضخ.. يميل بكرسي الطائرة إلى الخلف سارقاً فرحة اللحظة ويغمض عيناه على شهقة بهجة بحجم مدينة.. يغمض عينيه على عنوان ضائع ويلوح للصمت وأحلام المساء التي تسرقها الشمس ينادي للفرح خذني معك.. ولو أن للفرح صوتًا لانسدت شرايين قلبه لأنها ممتلئة به... علق والطائرة تهبط نحن جيل كنا ننمو كالفطر الداكن في الظل في بيوت لها نوافذ كالعيون المغمضة تظل دائمًا مقفلة تحت مظلة العيب.. لا نملك الكثير من الحياة.. لا نبوح بما يضطرب في الأعماق.. كل بهجة لا بد أن تظل مكتومة لا بد أن ندفنها في الداخل... إنها ساعتان من السمو الروحي في السماء لا أكثر في لحظة اكتشفت فيها أن الحياة تحتاج إلى قليل من العودة لنستمع لرموز بلادنا وأن لا شيء يساوي إحساسك بالمشاركة كالمشاركة نفسها وأن ليس أمتع في الوجود من شعورك بمشاركة حقيقية مع صناع الأمل.. وإن هذه المشاركة هي تذكرة الهروب المجانية!

هو أحمد عيد إنسان تربّى على النبل، ولم تزده نجوميته إلا انفتاحًا على الآخرين ومشاركتهم كرم التاريخ علينا بأمثاله.