ليست لدي أية أوهام بشأن العام الميلادي الجديد، لكنني أقل تشاؤماً بشأنه عن الأعوام السبعة المنفرطة، لا أتوقع في العام الجديد، حلولاً جذرية لقضايا عميقة في حياتنا، لكنني أتوقع قدرة أعلى لدينا على احتمال التضحيات التي تقتضيها معاركنا من أجل المستقبل، وأتوقع ميلاً لدى الجماهير للتفاؤل بغدٍ أفضل، رغم صعوبات آنية يُواجهونها.

مصدر حالة التفاؤل الحذر عندي، وعند غالبية الناس، ليس التمنِّي وحده، ولا لأن شعورنا بالإنهاك الشديد قد بلغ مبلغه، وإنما لأن أعداءنا، كباراً وصغاراً، قد أصابهم الإنهاك أيضاً، وأيضاً لأن اقتراب لحظة اقتسام الغنائم الإقليمية قد اقتربت، على نحو يفضح حقيقة نوايا المتشاركين في القسمة، والمتنازعين حول حصصهم فيها.

ما يحملني قرب شواطيء التفاؤل مطلع العام الجديد.

عند عتبة عام ميلادي جديد، تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلاً لتبنِّي سياسات انعزالية، فيما يبدو الاتحاد الأوروبي أكثر ميلاً لتبنِّي رؤية أوروبية لنظام دولي جديد لا تنفرد واشنطن بزعامته، بينما تتقدَّم الصين بهدوء لانتزاع موقع في الصدارة، ترسم خرائط التجارة حدود النفوذ فيه فوق الحزام وعبر الطريق، أما روسيا فتُواصل لعبة أجادتها عبر تاريخها، وتوسَّعت بها حدودها، من حدود دوقية موسكو إلى حدود الاتحاد السوفييتي السابق، عنوان اللعبة كما اختاره هنري كيسنجر في كتابه «النظام الدولي» هو: التدحرج المستمر فوق الجوار. روسيا الآن تتدحرج في الشرق الأوسط بقواعد تمتد من حميميم وطرطوس، وحتى تسهيلات جوية وبحرية في العديد من دول شرق وشمال إفريقيا.

في العام الجديد، يتراجع الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، مُتأثِّراً بقرار ترامب نقل سفارته في إسرائيل إلى القدس المحتلة، بينما تولي واشنطن وجهها شطر الشرق الأقصى، لمواجهة مخاطر استحواذ كوريا الشمالية على أسلحة هيدروجينية يمكنها الوصول إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة.

أولويات ترامب في العام الجديد، سوف تتجه إلى مواجهة تهديدات حقيقية للمصالح الأمريكية في الشرق الأقصى، قد يتقرر بناءً عليها، مستقبل النظام الدولي كله، وهو ما يعني أن بوسع قوى إقليمية في منطقة الشرق الأوسط أن تستفيد من فسحة للعمل وفق أجنداتها، قبل أن تفرغ واشنطن من معاركها في الشرق الأقصى.

حركة كل من إيران، وتركيا، وإسرائيل، على مستوى الإقليم، تشير إلى استيعاب الدول الثلاث، لحقيقة انشغال واشنطن بمسرح عمليات آخر في الشرق الأقصى، وسعي كل منهم لاستثمار شهور الغياب الأمريكي المرجَّح عن المنطقة، لتوسيع مراكز نفوذه، أو لتكريس واقع إقليمي جديد.

القدرة على الفعل في مراكز صنع القرار في النظام الإقليمي العربي القائم، تظل كبيرة وقائمة، لكن على قوى الفعل الرئيسة في السعودية ومصر والإمارات العربية، إعادة ترتيب الأولويات، وحشد القدرات اللازمة لتحقيقها، بما يتيح إحباط مخططات المنافسين في طهران وأنقرة بشكلٍ أساسي

.

بدون رؤية متّسقة للأمن الإقليمي بين الدول الثلاث وعمل مُنسَّق، وأولويات مُتَّفق عليها، فإن كلا من طهران وأنقرة قد تتمكَّنان من تكريس مكاسب تحقَّقت لهم في العام المنصرم، ومن فرض واقع إقليمي جديد، يستنزف طاقات مصر والسعودية والإمارات في العام الجديد. ليكن ٢٠١٨ عام وقف التدهور، وتحسين ظروف إعادة بناء نظام إقليمي عربي، وليكن هذا العام ذاته، عام تكريس مفهوم حقيقي ودقيق للأمن الإقليمي العربي، بعيداً عن الخطاب التعبوي والدعائي، بعدما تأكَّد للجميع، أن المستهدف هو دول المنطقة العربية دون سواها، وأن المطلوب هو تمزيق هذه الدول توطئةً لإعادة اقتسامها كغنائم لضباع الإقليم. أمامنا فرص نادرة في العام الجديد، بعضها قد تطرحه لحظات خاطفة يختلسها ذو الحنكة والمهارة، وبعضها قد يُجسِّد فرصة عُمر لبعض دول النظام الإقليمي العربي المهترئ، وبين عمر الفرصة، وفرصة العمر، تعمل السياسة، ويربض السياسي.