في مقطع متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، يقف «أردوغان» ليخطب بكلماته الرنانة التي لا تتخطى في فاعليتها حدود الميكروفون الذي ينفخ فيه، ويقول برومانسية وحنين دافق: «اذهبوا اليوم إلى سوريا، اذهبوا إلى العراق، اذهبوا إلى أي مكان في شمال إفريقيا، في الشرق الأوسط، في دول البلقان، واسألوا الناس هناك عن قناعاتهم حول تركيا والأتراك، لن تسمعوا في أي منها كلمة «محتلة»، أو «مستعمرة»، أو «ظالمة». منذ مئة عام ونحن ننتظركم. نعم لقد مر قرن كامل على فراقنا لهذه الأراضي، ولكن انتظار الناس وأملهم بعودتنا لم ينقطع أبدًا».

لا يخفي «أردوغان» أهدافه في العودة إلى الوراء، واستكمال الخلافة العثمانية، التي جثمت على صدور العرب قرونًا طويلة، فهو يلمح ويصرح في كل مناسبة، ويعزف على وتر ضرورة الحفاظ على مكة والمدينة بالتحديد، ولم يتوانَ بعد وقوع حادثة الرافعة في الحرم الشريف، عن الإشارة إلى ذلك، كما صرّح مجددًا بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، بأن ضياع القدس هو مقدمة لضياع المدينة، ثم مكة المكرمة، ما دمنا عجزنا عن حمايتها بالشكل الصحيح.

ويشترك في هذه النظرة الماضوية مع أردوغان، جماعة الإخوان المسلمين، فهم أيضًا يخططون لتحقيق حلم إحياء الخلافة الإسلامية، فكلاهما لا يريدان أوطانًا عربيةً ذات ولاء لأراضيها وحكوماتها، بل دولة إسلامية واحدة مزعومة يحكمها خليفة واحد. ونستطيع القول: «إن علاقة حزب التنمية والعدالة، مرتبط بالنهضويين من الإخوان بعلائق أيديولوجية وسياسية قوية».

أما إيران فتشكل الضلع الثالث في هذا المثلث الدموي، الذي يخطط لزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، على أمل الإطاحة بالأنظمة العربية، والاستيلاء على مراكز السلطة، تحت ستار الترابط الإسلامي. وقد لا تريد إيران العودة إلى الوراء، بمعنى إحياء الذي مات، ولكنها تحمل حلمًا مكبوتًا من الماضي السحيق، وهو تحقيق الدور الذي تخطاها في إدارة شؤون المنطقة باسم الإسلام، فقد أخذ العرب نصيبهم كما أخذت تركيا نصيبها، وقد آن الأوان لتفوز هي بنصيبها في الحكم الإسلامي.

يتقارب هؤلاء الثلاثة ويتساندون، ويدافعون عن بعضهم البعض، وهم يتشدقون بفكرة الخلافة الإسلامية الجامعة لأهدافهم، لكن الحقيقة هي أن الفكرة ليست جامعة لهم، ولا حتى للمسلمين كافة، هم فقط يتحركون للسيطرة على المسلمين من العرب، واستعادة الخلافة هي استعادة أماكن الخلافة التأسيسية في أرض العرب؛ مكة والمدينة، ومنهما تكون لهم الصدارة والمكانة المرموقة. الخلافة مطمع ومغنم، دونها الرقاب.

يزداد هذا التحالف غرابةً كلما تأملنا أهداف كل من المتحالفين، فمن المؤكد أنهم يجتمعون على الرغبة الحارقة في التخلص من الاستقلال العربي؛ أي على كره الحكومات العربية، حتى وإن تظاهروا بالتقارب مع بعض الحكام العرب، ففي النهاية يهدف المخطط إلى الإزاحة والإحلال، بعد أن تنتهي الأدوار المرسومة لهم. إذًا يشترك أعضاء مثلث (ان) في العمل سويًّا، وباستخدام بعض العرب، على التخلص من الدول العربية، ولكن ماذا بعد؟ ألا يقود الهدف النهائي لهؤلاء الثلاثة إلى تنافر عظيم؟ تنتظر إيران دورها لتمد النفوذ الفارسي، وتنشر المذهب الشيعي في المنطقة العربية، وتطمح تركيا إلى خلافة عثمانية تستكمل الحقبة السابقة بنكهة علمانية حديثة، وينظر الإخوان إلى زمن أبعد، كانت الخلافة فيه على منهاج النبوة، وإلى تحكم قاتم أقرب ما يكون من الداعشية المنغلقة. مِن هؤلاء الثلاثة، مَن سيتنازل عن حلمه للآخرين يا ترى

؟

وكان يا ما كان، في سالف العصر والأوان، زمن مضى مع الأزمان، والبعض عاجز عن أن يدرك أن ما كان قد كان، وأن الوقت لا يمضي إلا إلى الأمام، وأن الواقع واقع، والأحلام أحلام.