يَمتَاز عَرَب المَغرب عَن عَرَب المَشرق؛ بمَزَايَا عِلميَّة كَثيرَة، لَعلَّ أَبرزهَا سُرعة التَّعريب ودِقَّته، وقَبل سَنوَات تَرجم إخوتنَا المَغَارِبَة؛ عَن إخوتنَا الفِرنسيِّين، مُصطَلَح «التَّدويت»، ويُقصَد بهَذا المُصطَلَح، الاشتِغَال عَلَى الذَّات، مِن خِلال تَقليص عيُوبهَا، وتَطوير أَدَائهَا، وتَحسين إنتَاجهَا، ومُنذ أَنْ قَرَأتُ هَذا المُصطَلَح مَطلع التِّسعينيَّات، وأَنَا شَديد التَّمسُّك بِه، ولَا أُخفيكم أَنَّني تَشبّثتُ بِهِ، كَمَا يَتشبّثُ الغَريق بأَي شَيء أَمَامه..!

بَعد ذَلك، حَاولتُ أَنْ أَبحَث عَن جذُور مُصطلح «التَّدويت» فِي التُّرَاث الإسلَامي، لأنَّ تَجذير الأفكَار، وإعَادتهَا إلَى المَنبت الإسلَامي؛ يُعطيهَا شَيئاً مِن القوَّة، وبَعضًا مِن القبُول السَّريع..!

حِين حَاولتُ التَّجذير، ازدَحَمَت الأَفكَار فِي رَأسي، فهُنَاك عَشرَات النّصُوص، لَعلَّ أَقوَاها دَلَالة، وأَوضَحهَا مَعنَىً، قَوله تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ». ثُمَّ استَعرضتُ آيَة أُخرَى تَقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ». ولَو أَردتُم المَزيد تَأمَّلوا قَوله تَعَالى: «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ». وتَدبَّروا قَوله –

جَلَّ وعَزّ-: «وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى». وتَذكَّروا حَديثاً شَريفاً يَقول: «عَن سُفيان بن عبدالله -رَضي الله عَنه- قَال: قُلتُ يَا رَسول الله، قُل لِي فِي الإسلَام قَولاً، لَا أَسأَل عَنه أَحدًا غَيرك، قَال: قُل آمَنتُ بالله ثُمَّ استَقِم». رَوَاه مُسلم..!

إنَّ كُلّ الأدلّة أَعلَاه، تُؤكِّد ضَرورة انشغَال الإنسَان بإصلَاح ذَاته، وهَذه مِن نِعَم الله عَلينَا، ولَكُم أَنْ تَتخيَّلوا، ولَو للَحْظَةٍ وَاحِدَة مَصيرنا، لَو كُنَّا مُكلَّفين ومَسؤولين عَمَّا يَفعله «زيد وعبيد»..؟!

إنَّ الاشتغَال عَلَى الذَّات، فِيهِ مُتعَة وفائِدَة، أَمَّا المُتعَة فهي لَذّة التَّجدُّد، والانتقَال مِن حَالٍ إلَى حَال، وكَسر الرُّوتين المُملّ، وأَمَّا الفَائِدَة، فهي أَنَّك تَرَى نَفسك قَد تَطوّرتَ فِي عَملك، وتَقَدْمَتَ عَلَى قَومك، وتَصَالَحْتَ مَع نَفسك التَّوَّاقَة إلَى كُلِّ نَجَاح، وهَذَا كلُّه لَن يَتحقَّق، إلَّا إذَا أدرَكتَ المَعنَى الحَقيقي لعِبَارة «سُقرَاط» الخَطيرَة حِين قَال: «اعْرَف نَفسك»، وقَبل ذَلك وبَعده تَذكَّر أَنَّ الله أَزَاح عَن كَاهلك عِبئاً ثَقيلاً بقَوله –

جَلَّ وعَزّ-: «لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ»..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي سُؤال وَجّهته لشَيخي القَدير «أبوسفيان العاصي»، قُلتُ فِيهِ: لِمَاذَا لَا نَرَاك مَشغولاً فِي إصلَاح النَّاس؟، فقَال: «انشِغَالي بإصلَاح نَفسي وتَقويم سلُوكهَا، أَشغَلَني عَن إصلَاح النَّاس وتَقويم سلُوكهم»..!!