كصحافي، أزعم أنني أول من تنبَّأ من العرب باشتعال ثورة الخوميني قبل تسعة وثلاثين عامًا، وإنني ربما أول من نشر عنها، في مقالٍ بمجلة أكتوبر، راح الراحل أنيس منصور يُؤجِّل نشره أسبوعًا إثر آخر، تحسبًا من احتمال أن يثير المقال ضيق الرئيس الراحل أنور السادات، الذي كانت تربطه صداقة وطيدة بالشاه السابق محمد رضا بهلوي.

في المقال الذي كتبته في أغسطس عام ١٩٧٨، عقب مصرع أكثر من أربعمائة شخص إثر حريق اندلع بسينما ريكس في عبدان.

كنت أرى حادث سينما عبدان نقطة تحوُّل في وقائع المواجهات بين الشاه ومعارضيه، يمكن أن تقود إلى الإطاحة بالرجل، كتبتُ المقال في أغسطس ١٩٧٨، وتأجَّل نشره حتى نهاية العام، ولم ينشره الأستاذ أنيس منصور، إلا حين هددت بسحب المقال لنشره بمطبوعةٍ أخرى قبل أن تتجاوزه الأحداث.

أعاد لي الأستاذ أنيس منصور المقال لتحديثه، وكنتُ قد وضعت له عنوانًا: «شروخ في عرش الطاووس»، لكن رئيس التحرير نشره بعد تغيير العنوان ليصبح: «نزع الريش من أجنحة الطاووس»، لم يرق لي تغيير العنوان، لكنني كنت أكثر المحتفين (آنذاك) بالثورة، باعتبارها نبوءتي الشخصية.

إيران الآن تشتعل مجددًا، ولكن بعدما شهدت أوسع عملية تجريف سياسي في حياة الإيرانيين على مدى أربعة عقود كاملة، تراجعت معها مساحة تأثير القوى المدنية في الحياة العامة، وباتت الخيارات محصورة في الداخل بين الخومينيين وبعضهم البعض، بينما يقوم مجلس تشخيص مصلحة النظام، بالتفتيش في ضمائر المرشحين في الانتخابات العامة الإيرانية، ليجيز فقط مَن يُحقِّقون الدرجات الأعلى من الخومينية، ويبدون التزامًا أكبر بنظرية «ولاية الفقيه».

لا مكان في إيران الآن لقوى مدنية يمكن المراهنة عليها، بعدما جرى تشريد تلك القوى خارج إيران وداخلها، لكن إلحاح الإيرانيين على الحاجة إلى التغيير، يُمكنه أن يقود في النهاية إلى إحداث تغيير ما، قد ينعكس بالضرورة على أولويات الحكم هناك، وقد يقود بالتالي إلى تغيير في سياسات طهران تجاه الداخل، وتجاه الخارج، وتجاه الجوار بصفة خاصة.

الوقائع اليومية لما يجري في إيران الآن، تشير إلى تحوُّل حقيقي في مطالب الإيرانيين، الذين رفعوا لأول مرة، شعارات تنال من المرشد العام للثورة، وتطال نظرية ولاية الفقيه، التي جسَّدت الأساس النظري للنظام القائم في إيران، وهذه جرأة تُحسَب للثوار، وتضيف إلى رصيد الثورة الجارية، لكنها حتى الآن ليست كافية لإحداث التغيير الذي يريده الإيرانيون، ويترقبه العالم

.

ما الذي يمكن أن يقلب الطاولة، ويقود الأحداث الجارية في إيران، إلى محطة الثورة الكاملة؟!..

خبرة التاريخ الحديث في ثورة فبراير ١٩٧٩ التي ركبها الملالي، تشير إلى حاجة الأحداث لقوى دافعة أكثر، من نفس مستوى ودرجة حادث سينما عبدان، الذي قاد بتداعياته إلى سقوط النظام الشاهنشاهي قبل ٣٩ عامًا، فالتأثيرات الثقافية لكربلاء في التراث الشعبي الإيراني، تحتفي بالثأر، وتفسح مجالًا رحبًا لطلابه، وكما أتاح حريق سينما ريكس في عبدان خروج شعب بأكمله مطالبًا بالثأر لضحايا السينما، فإن ما تحتاج إليه عجلة الثورة في إيران الآن، هو بعض طلاب الثأر.

التغيير في إيران، مطلب شعبي إيراني، وحاجة إقليمية، وإرادة دولية مازالت في طور التشكُّل، ولكن ما هو نوع التغيير، ما هي وجهته، ما هي تداعياته المحتملة على إيران وعلى الإقليم وعلى النظام الدولي برمته؟!.

حسابات التغيير وكلفته، تبدو في اللحظة الراهنة ضرب من الرجم بالغيب، لكن إلحاح الطلب على التغيير يجعل طلابه لا يمانعون ولو في الرجم بالغيب تَرقبًا للحظة تغيير طال اشتياق كافة الأطراف لها.

في أعقاب الإطاحة بالشاه في فبراير عام ١٩٧٩ استعان الملالي بمهدي بازرجان، أحد الرموز الباقية من الجبهة الوطنية بزعامة مصدق، وعيّنوه رئيسًا لأول حكومة بعد الشاه، قبل أن يطيحوا به وبرجال جبهته بعد عام واحد، وأذكر أن رسّام الكاريكاتير المصري صلاح جاهين، نشر بالأهرام آنذاك شخصًا مصريًا يسأل صديقه الإيراني عن آخر الأخبار: فأجابه الإيراني: «الحالة عندنا بازرجان خااالص». في إشارة إلى اضطراب الأوضاع في إيران خلال العام الأول بعد الثورة.. ولا أدري إن كان هذا الوصف ينطبق أيضًا على الحالة الراهنة بعدما أسقط الشارع هيبة المرشد الأعلى للثورة، وبعدما مزَّق المتظاهرون صور خامنئي وروحاني وقاسم سليماني.. هل الحالة الآن في إيران «بازرجان خااالص»؟!.