Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أويس عبدالرحيم كنسارة

ضريبة الإهدار العاطفي

A A
•• سألت صديقًا مختصًّا في علم النفس ذات مرة؛ سؤالًا بريئًا عن المشاعر والعواطف، وتحديدًا عاطفة الحب والغرام.. هل هي طاقة عاطفية لا تنضب كالشمس مثلًا؟! أم أنها تُستنزف وتقل وتنتهي؟ أخبرني كلامًا في غاية الأهمية، أريد أن أحدثكم عنه، وخصوصًا لإخوتي الشباب والشابات.

‏•• إن لكل واحدٍ منّا مخزونًا معينًا من المشاعر والعواطف. العرضُ من هذه المشاعر يكون شديد الوفرة في بدايات حياتنا، وهذه حالة طبيعية نتيجة للفراغ، في ريعان الشباب والفتوّة؛ مما يجعل قرع القلب سهلًا يسيرًا؛ ولذلك يحكي الشاعر:

‏أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

‏فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا!

‏•• فإذا فتحنا مجال السحب من الرصيد العاطفي، لكل طلب، وكلما أنفقنا منه للشخص غير المناسب، والعلاقة غير الصحية، والحب غير المتوازن، والوجهة غير المُلائمة كلما حصلنا على المزيد من الصدمات العاطفية، وبالتالي نزيفًا واستنزافًا لطاقاتنا العاطفية، ونضوبًا وإفلاسًا لها. ماذا يعني ذلك؟.

‏•• هذا يعني بالضرورة، أنك عندما تصل للشخص المناسب، والعلاقة الصحية الجادة، بعد عدد كبير من السنوات والتجارب والإهدار العاطفي، فإنك ستجد نفسك وَيَا للأسف، عاجزًا عن بذل مشاعرك والاستمتاع بها، عائمًا في تبلّد الأحاسيس وفتورها، فلا تشعر كما استطعت سابقًا أن تشعر، ولا تبادل كما كنت تتمكن من المبادلة، وتستوعب وقتها أنك أفلست عاطفيًّا فيمن لا يستحق، أو من أجل تسليةٍ عابثة، أو ملء فراغٍ مؤقت.

‏•• إن كل إنسان تكثر تجاربه العاطفية، تتراكم لديه آثار سلبية من مخلفاتها، فيصبح غير قادر على دخول تجارب جديدة.‏ وتمثيلًا على الآثار السلبية، نجد المقارنات في طليعتها. الذهن يقارن، والمعايير تتعقد، والألوان تختلط وتُعكّر جمال الحاضر؛ لذلك يقول المنفلوطي: (يجب ألا ينفتح قلب الفتاة لأحدٍ من الناس قبل أن ينفتح لزوجها، لتستطيع أن تعيش معه سعيدة هادئة، لا ينغصها ذكر الماضي، ولا تختلط في مخيلتها الصور والألوان)، وهذا ينطبق على الرجل.

‏•• لذلك، قبل كل تجربة، وعند كل قرعٍ لأجراس قلبك، استأذن عقلك مرارًا، ودعه يفكر مليًّا، هل هذا هو الشخص المناسب في الظرف المُلائم؟ إذا وافق العقل، وتوافقت الأطباع، والوضع الاجتماعي، والعائلي، بعدها فقط اسمح للحب أن يطلق عنانه.

‏•• ختامًا، وبما أننا مُقبلون على ثقافة التوفير والادّخار، في ظل موجة ارتفاع الأثمان، وكما تدّخرون من رواتبكم، ادّخروا عواطفكم ومشاعركم، ووفروها للشخص المناسب، ولا تبذّرونها فيمن هبّ ودبّ، فضريبة إهدار طاقاتكم العاطفية، هي أغلى ثمنًا وأشد وقعًا من ضريبة القيمة المُضافة! وطوبى لمَن حافظ على قلبه، ولم يستعجل الحب قبل أوانه، فجوزِيَ بوفرته وعنفوانِه.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store