بسؤال وجَّهه طالب مشرقي إلى أستاذه الياباني عن سرِّ نهوض اليابان من كبوتها في أعقاب الحرب العالميَّة الثانية وتمكُّنها في سنوات قليلة من التربُّع على قمَّة الاقتصاد والتقنية منافسة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة التي قصفتها بقنبلتين ذرِّيتين؛ ألقيت واحدة منهما على هيروشيما، والثانية على ناغازاكي، بعد أن دمَّرت غارات الطيران الأمريكي بنية اليابان التحتيَّة، وأزالت العديد من المدن والمصانع والمرافق العامَّة، لم يتردَّد الأستاذ في الإجابة، وقال بأنَّ السرَّ يكمن في تمسُّك اليابانيِّين بقيمهم؛ في مقدَّمتها الإيمان بالوطن والتفاني في حفظه كريمًا محترمًا، والتزوُّد بالعلم والمعرفة حتَّى ولو كان ذلك من معاهد قاتلينا وجامعاتهم. فبالعلم والمعرفة التي حصلنا عليهما من الولايات المتَّحدة والغرب، تمكَّنا من بناء قاعدة انطلاقنا لإزالة آثار العدوان أوَّلًا، ومن ثمَّ البناء المنافس على ما ينتجه الآخرون

.

وأضاف: نجاحنا في هذا المضمار كان اعتمادنا على دراسة الخبراء من جيل الشباب، وهم قاعدة الهرم في الشركة أو المصنع، لدراسة ما يُعرض عليهم من مشاريع، وإشباعها بحثًا وتمحيصًا مهما طال الزمن، للتأكُّد من جدواها الاقتصاديَّة ومتطلَّبات المشروع وتكلفته الماديَّة ومدَّة تنفيذه تفاديًا للخسارة أو الفشل. «فألف قلبة ولا غلبة»، كما تقول الحكمة في المشرق العربي. نتائج حصيلة ما يتوصَّل إليه الخبراء العاملين كُلٌّ في مجاله في قاعدة الهرم، يُرفع للرؤساء المباشرين لتدقيقها والتأكُّد من صحَّة ما تمَّ التوصُّل إليه وسلامته. ومن بعد يُرفع للحلقة الأعلى من المديرين ليصاغ الموضوع وحدةً متكاملة، تُرفع بعد ذلك للرؤساء والخبراء. وهكذا تصل الدراسة والأبحاث لمن يملك قرار الموافقة أو الرفض. وبإقرار رأس الهرم التتفيذي المشروع، يتحمَّل مسؤوليَّة تنفيذه. وهكذا يصبح العمل جماعيًّا، وتبقى مسؤوليَّة النجاح أو الفشل على عاتقه. وبمراجعة سريعة لطبيعة العمل الياباني المُستند على العلم والكفاءة والخبرة، يتبيَّن السبب الرئيس في تربَّع اليابان على قمَّة الهرم الاقتصادي. في الحالات القليلة النادرة التي أفضى مشروع ما للفشل، يتحمَّل مَن أقرَّه كامل المسؤوليَّة، ويتنحَّى عن طيب خاطر من مركز القيادة، وقد يصل به الحال إلى الانتحار لكي لا يواجه عار الفشل، ويجنِّب بذلك سمعة أسرته وكرامتها من النقد والتجريح.

ختم الأستاذ الياباني إجابته بتأكيد قيم أمم القارَّة الآسيويَّة أم الحضارات وشعوبها مذكِّرًا عرب المشرق بما في عقيدتهم من قيم، منها: إِنَّ اللهَ يُحِبُ إذَا عَمَلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ.