• لطالما لعب العامل الاقتصادي الدور الأكبر في تأجيج المظاهرات؛ وإشعال حركات الاحتجاج وصولاً للثورات الكاملة وإسقاط الأنظمة.. والمتابع للمشهد الإيراني الداخلي، لم يتفاجأ أبداً بما يحدث هناك هذه الأيام من انتفاضات تعم معظم المحافظات، فالتأزم والاختناق الذي ظل يشعر به الشعب الإيراني تجاه ممارسات وسياسات النظام القائم على فكرة ولاية الفقيه التوسعية، والذي ما انفك يهدر أموال الشعب بسفهٍ في سبيل تحقيق فكرته التي تتناقض مع أبسط مبادئ السلم وحسن الجوار، وصل حداً غير محتمل من الضجر، إضافة إلى أن الفئات المسحوقة التي تقود الاحتجاجات هذه المرة (دون قيادة معروفة) لم يعد لديها ما تخسره، لذا فهي على استعداد للدخول في مواجهات دموية مع الأمن الإيراني من أجل محاسبة الحكومة، ‏بعد أن ذهبت (أكاذيب) الخميني ووعوده في بداية الثورة بمجانية الماء والكهرباء والسكن وإلغاء الضرائب أدراج الرياح، ولم يتحقق منها شيء طوال أربعين سنة.

• ‏انطلقت التظاهرات هذه المرة من مشهد (المدينة الثالثة في إيران) بعد أن خسرت 160 ألف عائلة في المدينة أموالها في مشروع سكني وهمي، وما زاد من غضب الناس هناك موقف الحكومة المتخاذل من المشروع، الذي لم يكن سوى عملية احتيال، تورَّط فيها مسؤولين في النظام، ولم تتم محاسبتهم، زادت بعض البنوك الأمر سوءاً حين أعلنت إفلاسها، ليخسر (المشهديون) أموالهم وأحلامهم بالسكن، وسط صمت مريب من الحكومة التي زادت من حنق مواطنيها بإنفاق المزيد من المليارات على مغامراتها الخارجية، متجاهلةً احتجاجات المواطنين ورواتبهم المتدنية التي لا تتجاوز في معظمها 150 دولاراً، بينما تصل رواتب المرتزقة الذين يستأجرهم النظام للقتال في سوريا واليمن إلى الألف دولار!

• ولأن أغلب المدن الإيرانية تعاني نفس المشكلات، فقد انجذبت مدن كثيرة في الأطراف للمظاهرات، عكس ثورة عام 2009م التي تمركزت في العاصمة فقط لأسباب قومية ومذهبية، ولا تزال كرة الحساب الشعبي الإيراني تكبر وتتسع كل يوم للمساءلة حول الثروات التي يُبدِّدها الملالي على مليشيات الإرهاب مثل (حزب الله وفيلق القدس والقاعدة وغيرها) في لبنان وسوريا والعراق واليمن وصولاً إلى أذربيجان وأفغانستان والصومال واريتريا ونيجيريا ودول شرق آسيا، بينما يتضور الداخل جوعاً وفقراً وتهميشاً.. وقد كشفت مصادر أمريكية مؤخراً عن إنفاق إيران (التي يعيش ثلث شعبها تحت خط الفقر) مبلغ 20 - 30 مليار دولار سنوياً في سوريا وحدها!.

• عندما يعي الشعب المطحون حقوقه ويُقرِّر استردادها، تكون ساعة الحساب شديدة على الظالم.. ولعل هذا هو عين ما يحدث في إيران هذه الأيام.