ديننا الحنيف هو دين الرحمة والعفو والتسامح والتكافل وكل مكارم الأخلاق، وهذا ما أكده نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (إنما بُعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق)، ومكارم الأخلاق لا يمكن أبداً أن تكون بالحرب والقتل والتفجير، وبث الكراهية والعداوة بين الناس، إلا إذا اعتدى علينا أحد، فنُقابله بالمثل، فبهذه الأخلاق وبالمعاملة الحسنة ينتشر هذا الدين في شتى بقاع الأرض، كما يقول ربنا سبحانه وتعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، هذه الآية العظيمة التي تصف الأسلوب الذي يستوجب أن يلتزم به كل داعية، وفيه تحديد للنهج الذي يسير عليه، والذي التزم به كل الأنبياء والرسل عند تنفيذ رسالاتهم الربانية، لكن يبدو أن هذه الآية العظيمة قد غابت عن بعض دُعاتنا المُوكَّل إليهم مهمة التوجيه والإرشاد، داخل العديد من البلاد الإسلامية وخارجها، حيث نراهم -هداهم الله- يُطلقون العبارات المنفِّرة المتشنّجة في حديثهم، وهو ما يتعارض مع التوجيهات الربانية التي تضمنتها الآية الكريمة، ولعل المتتبع لواقع العديد من الخُطب المنبرية التي نتعايش معها منذ زمن، يجد فيها الكثير من تلك المخالفات، حيث نراها تفتقد للحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وتلك هي الأسس المتينة لكل دعوة وتوجيه ، ويبدو أن اعتلاء المنابر أصبح مشاعًا ولا تحكمه معايير، لذا نرى أن العديد من منابرنا قد أصبحت متنفسًا للمتشنجين، كأن يقول أحدهم منتقدًا بعض المسلسلات السعودية: «إن مَن يُشاهد ذلك المسلسل هم من السفهاء والرعاع والسذج».. إنها عبارات لا يمكن أن تُقال أمام الجموع المؤمنة وفي بيتٍ من بيوت الله، فأين الموعظة الحسنة من ذلك؟.. ثم نسمع خطيبًا آخر يُطلق بعض العبارات غير اللائقة على بعض النساء وبعض الشباب، ثم نرى خطيبًا ثالثا يدعو على الكُفَّار، فيقول: «اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، اللهم دمّر ‏أراضيهم، ويتّم أطفالهم، ورمّل نساءهم»، ومثل هذا الخطيب، ‏نراه قد تناسى أن تلك الأراضي يقف عليها مسلمون أيضًا، ‏لكن التشنج الدعوي قد أعمى بصيرته، ولعل هذه العبارة تحديدًا قد ‏أصبحت ضمن العديد من الخطب المنقولة، وإلا كيف تُطلق دون ‏النظر إلى مضامينها المُنفِّرة التي يتخذها أعداء الإسلام حُجة علينا، ‏بأننا أمة حاقدة، وديننا يدعو إلى القتل والدمار، وهذا ما لا يتفق أبداً ‏وتعاليم ديننا السمحة.‏ ولكل مَن يُمارس تلك الخطب المُتشنّجة أقول: أين أنتم ‏من قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة ‏منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا ‏حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».. متفق عليه.‏ فإحدى تلك الخصال الذميمة كفيلة بإهلاك العبد، فكيف بها تجتمع في أحدهم؟.

الدعوة إلى الله واعتلاء المنبر أمانة يستوجب الالتزام ‏بشروطها.. لذا، نأمل أن يلتفت القائمون على اختيار ‏الخطباء والدعاة إلى تلك المخالفات الشرعية وسد منابعها، ‏والتوجيه بالابتعاد عنها، وأن يتقي كل خطيب ربه فيما ‏يقول من كلمةٍ قد تقذف به في السحيق.