القول: إنّ نظام الحكم في الإسلام، هو نظام الخلافة لا غير؛ «قول يُغاير الحقائق التاريخية الثابتة»، فلا يوجد نظام خلافة نسير عليه، ولم يُطلق «خليفة» إلّا على سيدنا أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، باعتباره خليفة رسول الله، والذين تولوا الحكم بعده (عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم)، كان يُطلق على الواحد منهم «أمير المؤمنين»، وأطلق المؤرخون المسلمون مصطلح «الخلفاء الراشدين» على الخلفاء الأربعة؛ للتمييز بينهم وبين من تولَّى الحكم بعدهم؛ إذ اتسمت فترة حكمهم بالعدل وإشاعة الفضائل، والتطبيق الأمثل للشريعة الإسلامية.

فالأربعة الذين تولوا الحكم بعد وفاة الرسول -عليه الصلاة والسلام- تولى كل واحد منهم الحكم بطريقة غير التي تولاها الذي قبله، وعلى المسلمين أن يختاروا من هذه الطرق ما يُناسب عصورهم وظروفهم، فالرسول -صلى الله عليه وسلّم- لم يحدد من يتولى حكم الدولة بعده، وإنّما أعطى بعض الإشارات، كقوله عند مرضه: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالنّاس»، فسيدنا أبوبكر تولى الخلافة بالانتخاب، وعمر بن الخطّاب عهد له أبوبكر بالحكم من بعده، بينما سيدنا عثمان تمّ انتخابه من الستة الذين رشَّحهم عمر بن الخطّاب لتولي الحكم من بعده، وهم: «عثمان بن عفّان، علي بن أبي طالب، سعد بن أبي وقاص، عبدالرحمن بن عوف، الزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيدالله»، وتنازل عبدالرحمن بن عوف عن المنافسة، وقد وضع سيدنا عمر أسس وقواعد الانتخاب، والتقت وجهات النظر حول عثمان وعلي، وانحصر الأمر بينهما إلى أن اجتمعت الأغلبية على عثمان، ففاز بها، أمّا علي رضي الله عنه، فهناك من بايعه إثر استشهاد عثمان رضي الله عنه؛ حتى لا تتسع دائرة الفتنة، وخذله نفر من المسلمين، ومنهم من أنكر عليه الحكم.

وبعد استشهاد علي رضي الله عنه، على يد «عبدالرحمن بن ملجم»، تمت البيعة لابنه الحسن، الذي قضى ما يقارب السبعة أشهر في الحكم، ثمّ تنازل عنه لمعاوية بن أبي سفيان، الذي عمل على التوصية بالخلافة -خلال حياته- لابنه يزيد، وبعد وفاة معاوية أصبح ابنه يزيد هو الحاكم، وقد رفض بعض الصحابة -من ضمنهم الحسين بن علي رضي الله عنه- ذلك، وقرر الدعوة لنفسه رافضًا تحوّل الحكم إلى حكم وراثي آنذاك؛ مما أدى إلى نشوب معركة كربلاء التي استشهد فيها «الحسين بن علي» على يد «عبيدالله بن زياد»، وبعد وفاة «يزيد» تولى ابنه «معاوية» مقاليد الحكم، ولكنه أعلن رفضه للأمر، وقرر الانعزال وترك الأمر شورى بين المسلمين، وفي تلك الأثناء كانت البيعة قد تمت لـ«عبدالله بن الزبير» في العراق، إلا أنّ «مروان بن الحكم» تم اختياره من قبل الأغلبية، خليفة للمسلمين، ومن بعده ابنه «عبدالملك»، والذي خرج عليه «عبدالله بن الزبير» في الحجاز، ونشبت معارك قادها رجل عبدالملك بن مروان «الحجاج بن يوسف الثقفي»، انتهت باستشهاد «عبدالله بن الزبير» بجوار الكعبة، لينتهي بذلك الأمل في عودة الحكم إلى «شورى بين المسلمين». ومن المغالطات التاريخية الكبرى للإخوان اعتبار حكم الأمويين والعباسيين ثُم العثمانيين يُمثِّل «دولة الخلافة الإسلامية»، وأنّها الكيان التنفيذي لأحكام الإسلام، ترعى الشؤون؛ فتحفظ الدين والعرض والنفس والمال، وتحمي الثغور، وتزيل العوائق والحواجز من أمام تبليغ رسالة الإسلام.. وهذا ما سأبيّنه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

للحديث صلة.