• يعيش الإرهاب هذه الأيام حالة جزر وانكماش ظاهرة.. قد تكون حالة (كمون) وترقب؛ وربما تغيير جلد والتقاط أنفاس لهذا الفيروس الذي عاث في المنطقة قتلاً ودماراً خلال العقدين الماضيين، لكنها أبداً ليست نهاية له!.. فبركان الإرهاب الذي لازالت جذوة نيرانه حية، قابل للثوران في أية لحظة، ولأصغر الأسباب وأبسطها، خصوصاً بعد أن اندمج بشكل شبه كلي (وبفضل إيران وحزب نصرالله) مع الفساد والمخدرات التي أصبحت من أهم أركان تمويله.

• للإرهاب مفكرون ومنفذون وممولون وأتباع.. لكن مشكلته الأكبر ليست في مفكريه ولا مموليه ولا حتى في المنفذين، فهؤلاء يمكن حصرهم والقضاء عليهم، المشكلة الحقيقية تكمن في الأتباع والمتعاطفين، الذين لا يمكن حصرهم ولا القضاء عليهم أبداً، هؤلاء يُشكِّلون قنابل حقيقية قابلة للانفجار والتشظي في أية لحظة، إنهم كحامل المرض الذي قد ينتج لنا كل يوم مشكلة جديدة في مكانٍ غير متوقع.. لهذا يمكن القول أن تقليص الإرهاب؛ وضبط الأمن أمر ممكن، لكن مسألة «القضاء عليه» نهائياً هي مجرد عبارة أدبية حالمة!.

• يشهد السجل التاريخي للإرهاب أن الانشقاقات والانشطارات في صفوف الأتباع، كانت سمة لافتة لكل الجماعات الراديكالية، وأن مبدأي (الاستعلاء الفقهي) و(متوالية التشدد) كانتا تُؤسِّسان -طوال التاريخ أيضاً- لتنظيمات أكثر غلواً وتوحشاً من سابقتها، وبالنظر إلى الظروف الحالية في المنطقة، وهروب العديد من العناصر وانتشارها في معظم دول العالم، فإن الوضع مُرشَّح لإنتاج الكثير من التنظيمات الصغيرة ذات الأهداف والآليات الخاصة، والتي قد تكون مختلفة عن التنظيمات السابقة مما يطيل أمد حربنا مع الإرهاب، ويضيف لها المزيد من التعقيدات.

• لقد كان الواقع السياسي المضطرب في المنطقة العربية، ومشكلات البطالة وتحقيق الذات بين الشباب من أهم عوامل اتجاه بعضهم للإرهاب، خصوصاً في ظل ضعف المؤسسات التعليمية التي تعرضت أنشطتها الثقافية والرياضية لعملية اختطاف شبه كاملة من قبل التيار الإخواني المتشدد ولأكثر من 30 عاماً، لذا فإنه من المهم إيجاد صيغة للتعامل مع هذا الملف، تقوم على «سياسة الحرب الواقعية طويلة النفس» من خلال الاستعداد التربوي والاجتماعي والاقتصادي، والتركيز على الإستراتيجيات الثقافية والفكرية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، مثل الدمج الاجتماعي لمختلف التوجهات والطوائف، ومكافحة الفقر والفساد. الفساد والإرهاب مرتبطان بشكلٍ كبير ومتداخل، ومن دون محاربة الفساد فإن عودة الإرهاب أمر ممكن بل حتمي.