داخل كل إيراني بسيط، وتحت ثيابه الرثة، أو الفاخرة، يختبئ إمبراطور أو كِسرى صغير، ينظر باستعلاء إلى الآخر، ويتحيَّن فرصة لازدرائه، أو للهيمنة عليه، في أعقاب ثورة الخوميني التي أطاحت بآخر الأكاسرة، التحف الإمبراطور الساكن في داخل كل إيراني، بغطاءٍ إضافي استمدّه من البُعد الديني لثورة الخوميني، الذي نصَّب نفسه فقيهًا للأمة، ودعا المسلمين (الشيعة بصفة خاصة) إلى الاعتراف بولايته عليهم (مهديًا مؤقتًا)، ريثما يظهر المهدي المنتظر!!

خلطة كِسرى والإمام، أنتجت حالة إيرانية فريدة، جرى معها تدشين أدوات جديدة للسيطرة، اتخذت من «ثورة المستضعفين» التي أطلقها الخوميني، نموذجًا ينبغي تصديره للجوار بأي حال، ودون مواربة، وهو ما فضحه حديث أول وزراء خارجية الثورة، صادق قطب زادة، أثناء جولة خليجية عقب الإطاحة بالشاه السابق، حين تحدَّث عن تصدير الثورة كهدفٍ رئيس للحكم الجديد في طهران، وسدَّد قطب زادة فاتورة الفضح المبكر لمخطط الخوميني، حيث أُقيل من منصبه، لكن إيران لم تتخلَ عن هدفها في تصدير الثورة، والهيمنة على الجوار.

العقوبات الغربية ضد إيران، استهدفت تقويض قدرتها على تصدير الثورة، لكنها لم تنجح في تحقيق هذا الهدف، بدرجة ملموسة، إذ امتد النفوذ الإيراني ملتحفًا بالطائفية، والمذهبية، إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن وأفغانستان، ومناطق من باكستان، بل إن طهران مضت في محاولات نشر النفوذ، إلى مناطق في الفضاء السوفييتي، وأخرى في غرب إفريقيا، وثالثة في بحر العرب وعند مدخل البحر الأحمر.

مستوى الانتشار الإيراني، يفضح طموحات إمبراطورية، حرص القائمون عليها، على تدليك الغدة الكسروية لدى البسطاء من مواطنيهم، الذين قدموا تنازلات كبيرة على مدى 39 عامًا، نالت من حرياتهم السياسية، ومن حصتهم المشروعة، في الثروة الوطنية، حتى أنني لا أنسى ما وجدتُ عليه أحد سفراء طهران بالمنطقة خلال رئاسة أحمدي نجاد الأولى، كان الرجل رث الثياب، يحمل حقيبة من الجلد حال لونها بفعل الزمن، وينتعل حذاءً أقل من متواضع فوق جورب تستطيع أن تحصي ثقوبه الظاهرة من نظرة واحدة.

هذا البلد الذي تشكو فيه الطبقة الوسطى وما فوقها، قسوة الظروف المعيشية، ينفق سبعة مليارات دولار سنويًا على مغامراته الخارجية، في العراق واليمن وسوريا ولبنان وغيرها، خصمًا من احتياجات أساسية لمواطنيه، قفز معها سعر رغيف الخبز إلى الحد الذي دفع الفقراء إلى الخروج في تظاهرات غضب حاشدة.

قدرة طهران على مواصلة مشروعاتها التوسعية في الخارج، مرهونة بقدرة مواطنيها على احتمال المزيد من شد الأحزمة، والإجراءات التقشفية، التي تقود بدورها إلى تراجع الاستثمارات وتدني معدلات التنمية، وارتفاع الأعباء المعيشية، واتساع هامش الفقر في مختلف أنحاء إيران.

ما جرى في انتفاضة مشهد، كان إعلانًا عن انضمام معارضين جُدد للنظام الإيراني، بسطاء اعتادوا دفع الخمس لتمويل مشروعات تمكين «إمام الزمان» بانتظار عودة الإمام الغائب، لكنهم ما عاد بوسعهم مواصلة اقتسام الرغيف مع حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن.

أية ضغوط اقتصادية على نظام طهران، بهدف دمج حركة الشارع ضمن عملية ترويض واسعة للروح التوسعية الإيرانية، ينبغي أن تبدأ بإعادة النظر في إجراءات استفادت منها طهران بفعل الاتفاق النووي (٦+١)، وأي محاولة لترويض الطاووس الإيراني، ينبغي أن تبدأ في ساحات الاقتصاد والتجارة، فهاتان الساحتان هما ما حملتا المتظاهرين في مشهد على رفع شعارات ضد ولاية الفقيه لأول مرة منذ 39 عامًا، وهاتان الساحتان هما مَا يمكن عبرهما، حمل طهران على كبح الإنفاق على أتباعها في الخارج (حسن نصر الله في لبنان والحوثي في اليمن مثلًا).

تهديد جماعة الحوثي بالتعرض للملاحة الدولية عند مدخل البحر الأحمر، قبل أيام، هو بحسب ظني، أحد توابع انتفاضة مشهد، التي ستُجبر نظام طهران على تقليص الإنفاق على عملائه بالإقليم، فتهديدات الحوثي، هي صرخة خائف، لا جولة صائل، وهي محاولة لإيهام الإقليم بأن عملاء طهران ما زالوا موضع دعمها، خلافًا لما سيحدث وشيكًا من مراجعة إيرانية قسرية لالتزاماتها وتعهداتها المالية تجاه عملائها في الإقليم

.

تشديد الحصار المالي والتجاري والاقتصادي والتقني، أفضل أدوات تفعيل الاتفاق النووي بما يخدم السلام في المنطقة والعالم.. وتلك مهمة تستطيع إدارة ترامب -إن شاءت- أن تمضي بها إلى غايتها.