في أيام الحزن يكون الصمت مريباً بعد الفقدان، ويبقى حضور الناس شاهدًا على جراحاتنا.. يُتْمُنا، غربة كل شيء.. حتى كأننا نستعير من كل التفاصيل حولنا وَجَع الفَقْد، ويُتم اللحظة، هكذا كُلَّما ماتت أمٌّ من أمهاتنا، تزورني أمي لتسألني عن حالتي بعدها.. غيمة حزن تُظلّل يومي بأمسي، ثم لا تأمن بوائق غدي..!

.. نعم تعتل النفس وتمرض من الحزن، إنه مرض الروح الذي لا يُدركه غيرها، وفي كل مرة سنتساءل: كيف يتلاشى ذلك الحزن؟.. كيف نتعايش معه وهو لا يغيب إلا ليحضر مجددًا مع كل فقد؟.

التخلص منه تحرُّر مؤقت.. قد يمد الإنسان بطاقة إيجابية ويساعده على استرداد روحه الضائعة.. لكنه ما يلبث أن يحضر في ملامح وجوه المكلومين حولنا مع كل حالة فَقْد تَعْبُرنا.. عني أظن أن نصائح المحبين بالتغيير والتعايش قد نفذت.. ومع هذا أعلم أنني ومنذ فَقْد أُمِّي بدأت بتغيير نمط حياتي بالتخلص وتصفية ومراجعة أشياء تجمَّعت منذ أعوام لتكون حزمة ذكريات تُحيلني إليه بين حينٍ وآخر، لهذا بدأت مثلاً بفرز مكتبتي التي كانت تتراكم فيها الكتب، وتبرَّعت بها لنادى الصم بجدة.. احتفظتُ ببعض الكتب التي بيني وبينها أسرار وحديث المساء، لكن هيهات تعبر ذكريات مقولات أُمِّي رحمها الله، عبق خاص يجرفني وأنا أستشهد بمقولاتها، لا أعرف ماذا أفعل بكل هذا الحنين الذي احتل دمي.. بكاء حار أشعر به كأنه ينحت وجنتي.. أكملتُ ما كنت فيه مستغرقة من حنين لها، أدرب ذاكرتي على أيامي القادمة المضيئة المليئة بذكرياتٍ أخرى ربما حتى لأولادي، أتوحَّد مع الأشياء البسيطة أمامي، ولا أعبأ إلا بلقاء الأحفاد وحديثهم الذي يقتصر على التطبيقات الحديثة، ادعو لي وللآخرين أن يكونوا كما يُحبّون، فيصلون إلى أفضل التجارب في حياتهم.. يطردون الحزن الذي يفسد اللحظة حينما يجرّها للماضي عنوة.. ما زلت أتساءل ماذا أحب؟.. أظن أن الدنيا باتساعها لم تكن تكفيني، وأني أحتاج إلى كوكبٍ بعيد، أعد فيه النجوم القريبة والبعيدة، وفي كل مرة سأعود لأسأل أمي عن عددها قبل أن أنام..!