إن وضع الأمور في نصابها ومواضعها الصحيحة، وإعطاء كل ذي حق حقه، بالقسط والمساواة، استناداً إلى إثباتات وبراهين تُوضِّح صاحب الحق، هو ما نقصده بمصطلح العدل، وهي صفة راسخة اتصف بها ربنا سبحانه وتعالى، ووصف نفسه بها، وهو في الأصل مصدر سمّي به فوضع موضع «اسم الفاعل» العادل، والمصدر أبلغ منه، لأنه جعل المسمى نفسه عدلاً، وفي تهذيب الأخلاق: العدل هو استعمال الأمور في مواضعها وأوقاتها ووجوهها ومقاديرها، من غير سرفٍ ولا تقصير، ولا تقديم ولا تأخير، ومن العدل العدالة: وهي ملكة تؤدب صاحبها وتحمله على الفضائل والاستقامة، والتوسط من غير إفراطٍ ولا تفريط، ولا إجحافٍ ولا تفضُّل، حتى قيل: إن العدل هو الاستقامة على طريق الحق، باجتناب ما هو محظور ديناً، والعدل أن تعطي -مِن نفسك- الواجب وتأخذه، فهو ميزان يُلزم الجميع بقضاء ما عليهم، واستحقاق ما لهم، دون تعدٍ ولا إفراط ولا تفريط، وقد رفع الله العدل وسمَّاه في أسمائه وميزه في صفاته، فهو يقول في محكم الكتاب: (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، والعدل في الإسلام شامل لجميع البشر، فالله قد أمرنا بالعدل في معاملة المخالفين وإن كانوا لنا أعداء حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، والعدل يبدأ به الإنسان مع نفسه ثم مع من حوله من أهله وقومه وحتى أعداءه، ويتجنب الظلم، فقد حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرماً، وأرشدهم ألا يتظالموا، وقد جعل الظلم قرين الشرك بالله في قوله تعالى: (وَإذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ولا يتمايز الناس إلا بالتقوى، فربنا عز وجل يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، فلا تمييز بين الناس بنسبٍ أو لون أو منصب، وإنما تُميِّز بينهم التقوى والقرب من الله عز وجل، وكل الناس محاسبون على ما يقع منهم من خطأٍ أو خطيئة، أو جناية أو جريمة ، ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)، ولا يعوض أحد أقيم عليه القصاص أو الحد؛ مهما بلغ قدره أو مكانته.

إن الإسلام كله عدل ولو أنَّا أخذنا بأحكامه لما عرفت المجتمعات المسلمة ظلماً ولا عدواناً، فاللهم ثبت قلوبنا عليه.