توقفتُ في الحلقة الماضية عند أكذوبة الإخوان بأنّ حكم الأُمويين والعباسيين، ثم العثمانيين يُمثِّل دولة الخلافة الإسلامية، إذ نجدهم يُزوِّرون الحقائق التاريخية مصوّرين أنّ نظام دولة الخلافة في كل مراحله جعل الدولة الإسلامية مهابة من الكافرين.. ولو رجعنا إلى تاريخ دولة الخلافة في عصورها الثلاث (الأموي، والعباسي، والعثماني) نجد الآتي:

1. الدولة الأموية (41- 132هـ/ 662- 750م) رغم أنّها حقّقت توسعًا ونهضة كبيريْن، لكن فترة حكمها كانت مليئة بالثورات والقلاقل.

2. الدولة العباسية (132- 656هـ/ 750-1258م) ما مضى 6 أعوام على حكمها إلّا وعبدالرحمن الداخل أعلن قيام الدولة الأموية بالأندلس، وسلطة الخليفة العباسي لم تكن على نمطٍ واحد، وإنّما تفاوتت، ممّا جعل المؤرخين يُقسِّمون مدة الخلافة العباسية إلى عصور ثلاثة، هي:

العصر الأول (132 -232هـ): وفيه كان الخلفاء يتمتعون بالسلطة في الدولة الإسلامية ماعدا الأندلس، ودول أخرى بدأت تستقل استقلالًا تامًا، أو استقلالًا شبه تام.

العصر الثاني (232 -590هـ): وفيه ضاعت السلطة من أيدي الخلفاء، وآلت إلى: أ- الأتراك (232- 334هـ)، وهذا العصر يشمل عهد صحوة الخلافة خلال خلافة المعتمد والمعتضد، وعهد الاضطراب، وسلطة نساء القصر بعد هذه الصحوة، وعهد إمرة الأمراء في السنين العشر الأخيرة منها. ب- البويهيين (334- 447هـ) وقد شمل سلطان العراق وفارس والأهواز وكرمان. ج- السلاجقة (447- 590) وقد شمل حكمهم العالم الإسلامي كله، ما عدا الأندلس ومصر وشمال إفريقيا.

العصر الثالث (590- 656هـ): وفيه استعاد الخلفاء العباسيون السلطة، ولكن في منطقة بغداد وما حولها، حتى دهم التتار العالم الإسلامي، وقتلوا الخليفة العبّاسي، وأنهوا أسرة بني العبّاس.

وفي العصريْن الثاني والثالث قامت الدولة الطولونية في مصر (254- 292هـ)، ثمّ الأخشيدية (323- 358هـ/ 945-969م)، وقامت الدولة الفاطمية في تونس، ثم في مصر (358- 567هـ/ 969-1171م) وقامت دولة المرداسيين في حلب (414-472هـ/ 1023-1079م)، والبوريين في دمشق (497- 549هـ/ 1103-1154م) والدولة الزنكية في الموصل والجزيرة، وسوريا، ومصر (521- 660هـ/ 1127-1262م) والأيوبية في مصر وسوريا (564- 648هـ/ 1169-1250) ودولة المماليك في مصر وسوريا (648-923هـ/ 1250-1517م) وكذلك في الهند وإندونيسيا.

3. الدولة العثمانية (1299- 1923م) قامت على الاحتلال، فالعثمانيون من الأتراك المغول قدموا من أواسط آسيا الصغرى، وخاضوا معارك لتكوين دولتهم، ولو كان هدفهم نُصرة الإسلام، لما حاربوا لغة القرآن بفرض سياسة التتريك والعزلة على ولاياتهم العربية منها وغير العربية، وفي ظل حكمهم، وليس بعد سقوطه وقعت الولايات العثمانية في البلاد العربية والإسلامية في أيدي الاحتلال البريطاني والفرنسي والهولندي والإسباني والبرتغالي باستثناء الحجاز التي حفظها الله لوجود الحرمين الشريفين بها، وإن كانت الخلافة كما يدّعون تحفظ الدين والعرض والنفس والمال والثغور لماذا لم تحمهم الخلافة العثمانية؟!.

فأين هي دولة الخلافة المُوحَّدة أمام كل هذه الصراعات والانقسامات التي شهدتها الدولة عبر تاريخها التي غرّر بها الإخوان شباب الإسلام لقتال بني أوطانهم وتدمير بلادهم، تحت شعار وهمي، هو تكوين «دولة الخلافة الإسلامية» لتحقيق هدفهم في الوصول إلى السلطة، إذ أقاموا دعوتهم على حديث موضوع، وعلى فتاوى تكفيرية تُكفِّر الشعوب والحكومات لتبرير قتالها وإسقاطها.

والسؤال: هل القوى الطامعة في بلادنا ستدعهم يُكوِّنون دولة إسلامية مُوحَّدة تشمل البلاد العربية والإسلامية؟.. إنّها تستغل دعوتهم في تقسيم البلاد العربية وإشاعة الفوضى فيها لتتمكن منها، وستقضي على الإخوان بعد انتهاء مهمتهم.. وعلى علماء الأمة أن يهبّوا لإنقاذ أمّتهم بتصويب الخطاب الديني المُفسّر من قِبَل البشر، وليبدأوا ببيان عدم صحة حديث دولة الخلافة، متنًا وسندًا، مع تأكيد الحقائق التاريخية بعدم صحته.