حسم الفيلسوف المسلم إبن رشد مسألة التّجارة بالأديان في مقولته المشهورة: «التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات، التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردتَ التحكم في جاهل، عليك أن تُغلّف كلّ باطل بغلافٍ ديني».. ولا عجب أن يتعرض الرجل في عصره لأشرس وأشدّ حملة تكفيرية، اتّهمهُ فيها رجال الدّين بالكفر والزندقة والإلحاد، وتمّ ترحيلهُ إلى مرّاكش قبل أن يتوفّى هناك بسبب الكآبة والإهمال وعدم الرّعاية الصحية.

****

إن إخضاع الدين للسياسات والمواقف المزاجية الضيقة يضيع الحقائق الواضحة وسط ركام هائل من التزييف والتمييع والتزوير والتعصب.. ويترافق مع هذا نزعة الترهيب، والتعالي، والوصاية التي تسم غالب خطابات الإسلاميين بوصفهم، وفق ما يرون في أنفسهم، حماة الإسلام، والمؤهلين، والموكلين بالتحدث باسمه، في وجه عامة المسلمين، وأبناء المسلمين دون غيرهم من عباد الله.

****

المؤسف هو أنه غالبًا ما تكتشف أن الدين هو آخر اهتمامات المتلبسين بردائه، فهم وراء مصالحهم يزينون لمن يجدون عنده تلك المصالح أفعاله حتى لو تجاوزت العقل والمنطق، أو الحق والعدالة.. فأصحاب المصالح من كل تيار، أو مذهب، أو فكر، يفعلون أي شيء للوصول لمبتغاهم، حتى لو افترى بعضهم على الله تعالى.. وقد ذهب الشاعر ابن هانئ الأندلسي، على سبيل المثال، إلى نظم قصيدة تزلف للخليفة المعز لدين الله الفاطمي تجاوز في مديحه له فيها كل حدود ونسب إليه بعض صفات الألوهية يصعب إعادة ترديد أبياتها هنا لما فيها من خروج مُسف.. وليس غريبًا أن نجد من أحفاد هؤلاء من يتغنى اليوم بمن يحققون مصالحهم، كما تغنى أجدادهم.. دون أن يهتز لهم جفن أو تصبغ حمرة الخجل وجوههم!!.