ما يقارب من الـ(15) سنة مرت على مقترح دمج الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون في كيان واحد تحت مسمى «أندية الثقافة والفنون»، أو «المراكز الثقافية».. وطوال هذه المدة ظل هذا المقترح يشكل حضوره في النقاش بدرجات متفاوتة، دون أن يتقدم خطوة باتجاه التنفيذ أو صرف النظر عنه، فالمسنادون له يعضدون موقفهم بجملة من الإيجابيات المنتظرة من الدمج، من أبرزها قدرة المركز على مواكبة المتغيرات العصرية، واستيعاب مفهوم الثقافة بصورته الراهنة الحديثة، مع تكثيف الجهود، وتقليل النفقات المالية، وغير ذلك من الإيجابيات الأخرى، فيما يعارض آخرون هذه الخطوة وحجتهم في الخوف من طمس تاريخ الأندية الأدبية وذوبان هويتها، وما ينتج عن هذا الدمج من خلط للأوراق، وتقليص للنوافذ التي يسعون إلى زيادات عددها، وليس تقليلها بالدمج.. جملة هذه الآراء في سياق هذا التحقيق حول دمج الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون في كيان واحد، والمترتبات على هذه الخطوة..

بداية بدا الدكتور عبدالله عويقل، رئيس مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بجدة، متحفظًا حيال هذا المقترح في سياق قوله: ما يتم تداوله حول دمج أكثر من مؤسسة في كيان واحد تحت مسمى «مركز ثقافي» كعنوان رائع وجميل؛ ولكن في تفاصيله الداخلية كل مؤسسة من هذه المؤسسات لها توجهها وطريقتها وخبرتها، والأندية الأدبية أندية ترعى المواهب الإبداعية والمطبوعات النقدية وتقيم الملتقيات، أسسها كبار الروّاد في المملكة في مجال الأدب، ومن الصعب طمس هذا التاريخ الضخم، الذي شهد العوّاد وأبومدين وعبدالله بن خميس وعبدالله بن إدريس والعبيد وغيرهم من كبار الأدباء في المملكة، لهذا فإن هذه الفكرة قد يضر ببعضها ويطمس تاريخ بعضها، فأرى بقاءها كما هي، ومحاولة إيجاد مشاركات بينية فيما بينها، وهذا أسلم من عملية الدمج حتى لا نطمس معالم جهات مهمة.

السلمي: الدمج سيطمس تاريخًا ضخمًا

ويقول الشاعر سعد الرفاعي: فيما يختص بتحويل الأندية الأدبية لمراكز ثقافية أرى أننا نقف كثيرًا عند المسمى، وما يهمنا هو الممارسة والوعي الثقافي بالدور الذي يجب أن يمارس في هذه الأندية أو المراكز أو الجمعيات أو المظلات أو النقابات.

ويضيف الرفاعي: لائحة الأندية الأدبية التي صدرت في عام 37 كانت تعرف النادي الأدبي بأنه مؤسسة ذات شخصية اعتبارية مستقلة إداريًا وماليًا تعنى بالأدب والثقافة بمفهومهما الشمولي تشمل الأدب والتراث والفنون.. ومن أهداف الأندية الأدبية دعم المبادرات الثقافية ذات الصلة وكل الفنون والإبداعات ذات صلة بالأدب، وكل ما يراه أعضاء مجلس الإدارة وتوافق عليها الجمعية العمومية، ومن يحدد مساره أعضاء الجمعية العمومية سواء كان ناديا أدبيا أو مركزا ثقافيا، فالعبرة في النهاية بما يتم من ممارسات داخل هذا الصرح والمجتمع الأدبي، يؤكد على ذلك أن كثيرًا من الأدبية أضافت كلمة الثقافي بجوار الأدبي مثل نادي جدة والمدينة لإدراكهم أن الثقافة لا يمكن فصلها عن الأدب.. والأندية تحت مظلة وزارة الثقافة والإعلام، وهذا يؤكد على أهمية الممارسة وما يجب أن تقدم الأندية في استقطاب المواهب وصقلها، والتركيز على الناحية الإدارية وما هو ما نحتاجه؛ استقطاب كفاءات تدير هذا الشأن الثقافي.

الرفاعي: العبرة بما يقدم وليس في المسمى

ويقف الدكتور نايف الرشدان مع فكرة الدمج بقوله: هذه من الأفكار الحديثة والجيدة، التي يجتمع من خلالها الثقافة والأدب والفنون في مركز واحد تتوحد من خلاله الجهود وتتكثف الأنشطة وتتعدد منابع العطاء وينعكس ذلك على المبدعين والموهوبين كبارًا وصغارًا، فأنا لا أفرق في الإبداع بين الصغير والكبير، ولا المرأة ولا الرجل، هناك عقل، هناك إنسان، هناك فن، وهذه الكتل لابد لها أن تتعاضد ويخرج منها إبداع بشتى صوره؛ سواء تصويرا أو رسما ثقافيا كتابيا تأمليا فكريا شعريا.. ولابد من رعايته، وهناك أنظمة لابد أن تدرس وهذا الانصهار سوف يؤدي بنا إلى منجم عن الذهب.

ويمضي الرشدان في حديثه مضيفًا: كل شخص بداخله فنان ومع الزمن يذبل وقد يكتشف ذلك مستقبلًا المهم في الأمر أن العصر الحديث عصر إبداع واستثمار الموهبة ويجب أن تستفيد من المراحل السابقة فلم يعد التعبير الإنشائي فنا.. ونحن نتمنى أن نخرج كل عام مبدع وهذه أعمال إيجابية عالية.. لذلك أن مواكبة المتغيرات العصرية يفضي بنا إلى متابعة الإعدادات والأساليب الجديدة التي من شأنها إخراج نوع جديد من الإبداع. نحن في عصر السرعة ومزاحمة الوسائل والإعلام بشكل متميز ومختلف ولابد من وجود إبداع أشبه بالومضة يعني التركيز والإبداع. والاهتمام بالمركز الثقافي وتطويره ولابد من وضع لكل المبدعين الأماكن، التي تهمهم فقد أضعنا من مبدعين واتجهوا لمواهب أخرى..

ويخلص الرشدان إلى القول: في النهاية أؤكد أن التطوير مهم لهذه المراكز والدمج لم نعد بحاجة للنشاطات المكثفة الباهتة، التي لا تهتم بالقيم الجمالية، نريد هذه الإضاءات العصرية، التي من خلالها يشتعل الإبداع جمالًا.

الرشدان: الانصهار سيؤدي بنا إلى منجم عن الذهب

ويساند الشاعر حسن محمد الزهراني، رئيس مجلس إدارة نادي الباحة الأدبي الدمج، بقوله: أنا مع هذا التوجه وبقوة؛ فلا حدود بين فنون الأدب والثقافة، بحيث يشمل المركز: النادي الأدبي، والجمعية والمكتبة وبقية الفروع، وقد أعددنا مبنى نادي الباحة الجديد لكل هذا؛ بل وشرعنا في إقامة ملتقيات ثقافية للشباب وللتشكيليين وللإعلاميين، وفي جدولنا ملتقيات للمسرح والخط العربي السينما والأفلام القصيرة والتصوير الفوتوغرافي وغيرها، وقد صرحت بهذا منذ أعوام وتمنيت على كل مثقفي منطقة الباحة أن يكونوا معنا لنرسم خارطة جديدة للثقافة، وليكون النادي خلية ثقافية تستوعب الجميع، وخصوصًا الشباب وتلبي كل الرغبات، وبدأت أرى بعض الاستجابات، ومازال أملي كبيرًا، فالنادي ليس لمجلس الإدارة وللمثقفين الذي يشاركون على منبره؛ بل هو بالدرجة الأولى لمثقفي المنطقة، هم من يصنعون الجمال بتواجدهم ومشاركاتهم وآرائهم أيضًا.

وتشارك الدكتورة فاطمة الياس بالقول: ترددت في السنوات الأخيرة مطالبات بدمج الأندية الأدبية مع جمعيات الثقافة والفنون لتأسيس مراكز ثقافية.. والواقع أن لكل جهة رسالتها ومهامها التي تتناسب مع أهدافها وطبيعة تكوينها. فالأندية الأدبية أنشئت لرعاية الأدب والأدباء في المملكة وخلق الأجواء التفاعلية لتأسيس حركة أدبية من خلال الفعاليات الأدبية والملتقيات النقدية. وهذا لا ينفي صفتها الثقافية. فكل أديب هو مثقف بطبيعة الحال.. وليس بالضرورة أن يكون كل مثقف أديبا! كما أن خصوصية الأندية الأدبية لا تمنع التقاطع مع بعض أنشطة جمعيات الثقافة والفنون؛ لكن هذا التعالق لا يعني خلط الأوراق، لأن لكل جهة هويتها الخاصة.. وهوية أعضائها المنتمين إليها والمهتمين بها.

وتستطرد الياس مضيفة: إن مصطلح «مركز ثقافي» لا يعني لي أكثر من مبنى يضم النادي الأدبي وجمعية الثقافة والفنون. أو فلنقل «مظلة» تمارس المؤسستان نشاطاتها داخلها المركز الثقافي هو المكان الذي يحتوي على المسرح، والقاعات المخصصة لإقامة الندوات والأمسيات الأدبية والثقافية، ومكاتب الأعضاء، وقاعة الإجتماعات وغيرها من المرافق التي يحتاجها كل من النادي الأدبي وجمعية الثقافة والفنون.. دون حاجة لخلط الأوراق ويكون هناك مدير للمركز مهمته الأولى التنسيق بين الجهتين وإدارة المبنى دون التدخل في مجلس إدارة النادي الأدبي أو الجمعية ويمكن تشبيه هذه المراكز بقصور الثقافة في الشقيقة مصر، والتي تضم النادي الأدبي والفنون الأخرى من مسرح وموسيقى. وكل جهة مستقلة إداريًا وفنيًا عن الأخرى بحيث تمارس كل جهة أنشطتها داخل قصر الثقافة في كل مدينة، وفي أبوظبي مثلا يوجد «نادي أبوظبي للأدب والنشر» تحت مظلة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ويختص في الفعاليات الأدبية وإقامة المهرجانات الأدبية ويرتبط بنوادي الكتاب المحلية.

وتخلص الياس إلى القول: المهم هنا هو وجود المكان المهيأ كمركز رئيسي المجهز بجميع المرافق لممارسة الأنشطة والفعاليات الأدبية والثقافية والفنية.. كل فيما يخصه.

ويشير مديرعام جمعيات الثقافة والفنون السابق عبدالعزيز السماعيل تحدث إلى أن مقترح الدمج طرح منذ عدة سنوات، وبالتحديد في الفترة التي تم نقل الشأن الثقافي من مسؤوليات الرئاسة العامة لرعاية الشباب إلى وزارة الثقافة والإعلام عام 1424هـ، ثم تم تبنيه من قبل الوزير عبدالعزيز خوجه؛ لكنه لم يتحقق بسبب اختلاف الآراء حول المقترح بين مؤيد ومعارض.

ماضيًا إلى القول: بغض النظر عن طبيعة الاختلافات في هذا الشأن فقد كانت الجمعية والأندية الأدبية معًا يطمحان آنذاك بأن ترى الدولة مستقبل الثقافة والفنون والآداب من خلالهما، وبالتالي توفير الدعم والمساندة اللازمة لتطوير هاتين المؤسستين العريقتين في المملكة، أما الآن وبعد تأسيس هيئة الترفيه وهيئة الثقافة كجهازين مستقلين تابعين لوزارة الثقافة والإعلام كما هو حال الجمعية والأندية أيضًا مع فارق الاهتمام والدعم من الدولة، فقد اتضحت الرؤية لمستقبل الشأن الثقافي بشكل عام في المملكة، وبالتالي فقد أصبح الدمج الآن بين الجمعية والأندية الأدبية تحت مسمى شامل ومقترح هو «أندية الثقافة والفنون» ضرورة ملحة في اعتقادي، ليس فقط لضمان بقائهما، بل لتوفير القدرة اللازمة على منافسة النشاطات التي تقيمها الهيئتين مستقبلًا وهو الأهم.

ويختم السماعيل بقوله: سوف تستفيد المؤسستان العريقتان في حال دمجهما، من تراكم الخبرات والتجارب التي امتدت حتى الآن لأكثر من أربعين سنة من نشاط الثقافة والفنون والآداب المختلفة، ومن الكوادر الكثيرة المؤهلة المنتمية لهما، كما أن ذلك سوف يوفر عليهما الكثير من المصروفات المالية، وبالذات في خدمات الصيانة والتشغيل وإيجار المقرات، وهو ما سوف يسمح بوجود تنافس ثقافي شريف بين القطاعات الثقافية المختلفة في المملكة.

دمج الأندية الأدبية في جمعيات الثقافة

السلبيات:

طمس التاريخ والمعالم وذوبان الهوية

التعارض مع التطلعات لنشر الثقافة والفن والأدب

تقليص عدد النوافذ الثقافية والفنية بدلًا عن زيادتها

خلط الأوراق وضياع الخصوصية

فتح النوافذ بتوسيع مفهوم الثقافة

استقطاب المواهب وصقلها

توحيد الجهود وتكثيف الأنشطة

مواكبة المتغيرات العصرية

إذابة الحدود بين فنون الأدب والثقافة

الاستفادة من تراكم الخبرات والتجارب

توفير الكثير من المصروفات المالية

خلق تنافس ثقافي شريف بين القطاعات المختلفة

تغيير رتابة الحراك الثقافي والفني