مهمة السياسة هي كتابة التاريخ فوق جبهة الجغرافيا، وبهذا المعنى فإن مصائر الأمم هي أقدار خطتها يد التاريخ، فوق جبين جغرافيتها، لكنها لحسن الحظ ليست أقدارًا محتومة، فهي أقدار تصنعها الشعوب بأيديها، وتخطها الجيوش برماحها وحرابها فوق جبين الصحراوات والسهول وفي أعماق الوديان والبحار.

ما يجري راهنًا في الشرق الأوسط، هو محاولات لإعادة رسم خرائط الإقليم، بدأت بالغزو السوفييتي لأفغانستان، عام 1978 ودخلت طورًا جديدًا إثر ثورة قادها الملالي من قم في فبراير 1979 أطاحت بالنظام الشاهنشاهي في إيران.

استدعى الغزو السوفييتي لأفغانستان، كل مدارس الجهاد وجامعاته، برعاية أمريكية مبكرة دشنها زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس الأمريكي كارتر آنذاك، لشؤون الأمن القومي، بصورته شخصيًا في بيشارو ملوِّحًا ببندقية أمريكية من طراز إم 60، علامة على الدعم العسكري الأمريكي غير المحدود لتدشين تيارات جهادية، ضد الاتحاد السوفييتي (السابق).

التغيير بالتدمير بدأ عامه الأول إذن من أفغانستان، ثم جرى نقل المشهد بعد عام واحد إلى مسرح حرب كبرى بين العراق وإيران، قال الملالي وقتها إنهم يدافعون فيها عن ثورة كانوا قد تعهدوا بتصديرها للجوار، بينما قال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إنه يدافع بها عن «البوابة الشرقية» للوطن العربي، مطلقًا عليها «قادسية صدام».

أرادت إيران مطلع الثمانينيّات تغيير الحدود بالثورة، وأراد العراق بزعامة صدام حسين تغيير الحدود بالقوة.

كان كل من إيران والعراق يتطلعان إلى إعادة رسم خارطة الإقليم على حساب الجوار في الخليج، وبينما بدا أن العراق قد أساء تقدير حسابات القوة وموازينها، وهو ما تجلَّى بغزو صدام حسين للكويت لاحقًا في الثاني من أغسطس عام 1990، بدا أيضًا أن إيران قد ابتكرت نموذجها الخاص للتوسع إقليميًا على حساب الجوار، عبر جماعات ومنظمات أنشأها ورعاها ودربها، الحرس الثوري الإيراني.

استفاد الإيرانيون من الغزو الأمريكي لأفغانستان، ثم العراق، وأسسوا حضورًا لهم في البلدين، بتنسيق ضمني صامت مع الولايات المتحدة ذاتها، أفصح عنه جون كيري وزير خارجية أوباما، حين اعترف بوقوع غارات جوية إيرانية استهدفت داعش بالعراق، فوق مسرح عمليات أمريكي

، يومها قال كيري: هم (الإيرانيون) لم يخطرونا مسبقًا بتلك الغارة الجوية، لكنها تخدم أهدافنا هناك!!

مشهد التغيير بالتدمير في منطقة الشرق الأوسط، دخل طورًا جديدًا تمامًا، بحلول ما يسمى بـ»الربيع العربي» الذي انطلق من تونس في ديسمبر 2010. ركز هذا الطور الجديد، على نمط «التدمير الذاتي» باعتباره عملية هدم لابد منها قبل الشروع في عملية إعادة بناء وفق أسس جديدة تمامًا.

الذين خرجوا للثورة على عقود من الاستبداد، وتدني الأحوال المعيشية تبعًا لذلك، ظنوا أنهم هم مَن سيضع الأسس الجديدة لإعادة البناء في مجتمعاتهم، أما مَن أنتجوا آليات التغيير بالتدمير خارج العالم العربي، فقد كانت تلك الأسس تعني بالنسبة لهم أمرًا مختلفًا تمامًا.

كانت لدى مَن خطَّطوا لحروب الجيل الرابع في العالم العربي، خطة واضحة للهدم، وخريطة مكتملة الملامح لما يعتزمون إعادة بنائه. أما أغلب من خرجوا من طلاب التغيير بالثورة في العالم العربي، فقد كانوا يحلمون بالمدينة الفاضلة، دون أن يحملوا خطة أو برنامجًا قابلًا للتطبيق لبلوغ تلك المدينة الفاضلة، ولهذا تاهت ثورات الربيع العربي، وبيع بعضها بثمنٍ بخس لحساب قوى إقليمية ودولية تستهدف تمزيق المنطقة والسيطرة عليها.

الودعاء الطيبون في عالمنا العربي، يمنون أنفسهم بانتهاء السبع سنوات العجاف التي بدأت في ربيع 2011، وببداية سبع سنوات رخاء تبدأ بحلول العام 2018، لكنني لا أستطيع مع الأسف أن أَجِد نفسي بين هؤلاء الودعاء الطيبين، فأمامنا في العالم العربي، طور جديد من صراع شرس، يستهدف استكمال مخطط تمزيق الخارطة العربية.

عام التسويات الكبرى لم يحل بعد، والخارطة الإقليمية مرشّحة لتصعيدات وتفجيرات، قد تمتد -على الأقل- حتى نهاية فترة الرئاسة الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ثمة أطوار جديدة، ترشح السودان وليبيا وتونس، لصراعات أعنف طوال العام الجديد، بينما يجري تهيئة المسرح السوري، لمشاهد فصل دام من الصراع، قد يستنزف تركيا، وقد يكرس تقسيمًا فعليًا لسوريا، وقد يدشن رحلة التشظي لكيانات عربية ظنها البعض عصية على التشظي.