كانت سنوات العقد الثاني من القرن العشرين ميلاديَّة؛ سنوات المجاعة في الجزيرة العربيَّة وبلاد الشام والعراق، لنقص الإمدادات الغذائيَّة بسبب الحرب العالميًّة الأولى التي حصدت الأخضر واليابس، وقضت على الأبيض والأصفر من العملات المتوفِّرة عند بعض الناس، ممَّن وسَّع الله عليهم في الرزق. وأكل الجياع أوراق النباتات البريَّة ولحوم الحيوانات؛ حتَّى جيف الأموات. وكم عقاراتٍ بيعت مقابل بضعة أقراص من الخبز!

كانت هجرة الكثيرين من بلدانهم إلى المجهول بالترغيب أحيانًا وبالترهيب أحيانًا أخرى، كما حصل لأهالي المدينة المنوَّرة أثناء اشتداد حصار الأشراف عليها بقيادة ضابط الاستخبارات البريطاني المعروف باسم «لورنس»، بعد أن اشترى بالذهب والفضَّة ولاء الأعراب له، ليتخلُّوا عن الوالي العثماني فخري باشا الذي تمسَّك بثاني الحرمين الشريفين ليحفظ للسلطنة العثمانيًّة هيبتها في بقاء سلطانها حاميًا للحرمين الشريفين. وما تزال سيرته وولاؤه للخليفة العثماني موضع أبحاث عدد من الكُتَّاب حول العالم ما بين مُؤيٍّد لترحيله غالبيَّة أهالي المدينة المنوَّرة قسرًا إلى بلدان الشمال، حفاظًا على الأمن الغذائي لحاميته العسكريَّة!! وبين منتقد لسياسته التعسفيَّة لما سبَّبه الترحيل القسري من انفصام الروابط الأسريَّة وتشتت أفراد الأسرة الواحدة في العديد من المدن والأرياف في بلاد الشام وتركيا.

كلَّ هذا الكم من المقالات وتعليقات الخبراء الذين يزدادون عددًا مع تعدُّد وجهات النظر فيما يجري على الساحة الإقليمية والعالمية من صراعٍ بين المتحكِّمين في شؤون العالم، لاستعادة سيطرتهم على البلدان العربيَّة، التي ما أن تنفَّست الصعداء بجلاء القوَّات المحتلَّة عن أراضيها حتَّى عاد الاحتلال إليها بصورٍ جديدة، تتبنَّى سياسة «فرِّق تسد»، ومبدأ دعهم يتقاتلون فيما بينهم. كان من حسن طالع جزيرتنا العربيَّة أن تمكَّن الملك المؤسِّس عبدالعزيز -طيَّب الله ثراه- من لمِّ شمل سكَّان الجزيرة من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن شمال اليمن إلى بلاد الشام مقيمًا دولة نأت بنفسها عمَّا كان يُحاك من دسائس ومؤامرات منذ أن تقاسمت فرنسا وبريطانيا أراضي السلطنة العثمانيَّة.

وقد منَّ العليُّ القدير على مملكتنا بالذهب الأسود (البترول)، ممَّا وضعها في مركز مميَّز عند الدول الصناعيَّة في جميع أنحاء العالم. ومن ثمَّ وفَّر لها قيام مشاركات صناعيَّة وتسويقيَّة مع الدول المستوردة للطاقة، ممَّا أهَّلها لتبوُّؤ مركز مرموق بين الدول الأكثر ثراء على مستوى العالم، وأن ينعم شبابها من الجنسين بفرص التعليم العالي في أرقى جامعات العالم، بجانب العديد من الجامعات والمعاهد التي انتشرت في أرجاء المملكة كافَّة. ولقد أدركت القيادة الشابة أنَّ دوام الحال من المحال، وأنَّ سلعة البترول لن تدوم إلى الأبد، فرسم الأمير الشاب محمَّد بن سلمان، وبتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان يحفظهما الله، خطَّة تنمية جريئة تنقل البلاد بعون الله إلى بلد مُتعدِّد مصادر الدخل، يوفِّر لسكَّانه حياة مستقرَّة أسوةً بسكَّان البلدان المتقدَّمة. ولبلوغ ذلك الهدف كان لابدَّ من ترشيد الإنفاق والاستهلاك، والتحرُّر من مظاهر الغِنَى والترف التي صاحبها نوع من الغرور والتعالي من قِبَل البعض على الآخرين، ممَّن جبرتهم ظروفهم المعيشيَّة للعمل خدمًا وسائقين في بيوتنا.