لو رأيتم أشجار الكستناء في جبال الريف التركي، بعد أن تتساقط الثلوج عليها خلال فصل الشتاء، لما وَسِعَكُم سوى الانبهار البالغ بها، وتسبيح الله، خالق الكستناء، الذي أحْسَنَ كلّ شيءٍ خَلَقَه، وبدأ خلْقَ الإنسانِ من طين!.

كلّ شجرة كستناء في الشتاء تكون خشبة عارية من أيّ أوراق، مثلها مثل معظم الأشجار، ويبقى جذعها منتصبًا وسط الثلوج غير آبهٍ بها وكأنّه مُحارِبٌ من الفايكنج في حقبة الشراسة الإسكندينافية، كما تبقى أغصانها الصغيرة التي منحها الله تركيبة تسمح بتشكّل الثلوج حولها وتغليفها بما يُشبه المشط المتساوي الأسنان، من تلك الأمشاط التي تُشبه أمشاط بنات الملوك في قديم الزمان، فتكتسب الشجرة شكل قطعة فنية كريستالية رائعة الجمال، وكلّ ذلك خلال ثوانٍ معدودات، ولو اجتمع رسّامو ونحّاتو العالم، الأولون والآخرون، على الإتيان بمثلها خلال سنوات لعجزوا، بل وحتّى مهندسو الفوتوشوب سيصيبهم نفس العجز وربّما أكثر!.

هذا الجمال يظهر للملأ في شجرة كستناء واحدة فقط، فما بالكم بآلاف الأشجار المتراصّة بجانب بعضها على مدّ البصر في قمم الجبال؟ إنّه منظر يتضاءل له الجمال نفسه، وتُسرُّ به العين، وتستكين له النفس، ويهدأ له البال، فسبحان الله عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته!.

ولشجرة الكستناء في تركيا قصّة نجاح عجيبة، فالبلديات تُكثر من زراعتها في الأماكن العامّة، وتسمح للعامّة بقطف ثمراتها، ولا تسمح باحتكار زراعتها، وتُرخّص للعاطلين بفتح أكشاك لشوائها وبيعها للسُيّاح، طالما دفعوا أجرة الترخيص الزهيدة، من منطلق أنّ ذلك يُنعش الاقتصاد، ويُنعش معه بيوتًا كثيرة أشرفت على الفقر والإفلاس، وهنا يتضاعف جمال هذه الشجرة، وتكون درسًا لكلّ بلدية حول العالم ألّا تُفرّط في شجرة وهبها الله لأراضيها، فكلّ شجرة تنبت في مكان دون آخر لحكمة إلهية، وكلّ ثمرة مُسخّرة للإنسان، لكنه، أي الإنسان، قد يُفسد بتخطيطه العشوائي ما وهبته له الطبيعة بأمر الله الخالق الديّان!.