لا يخفى على الجميع الهوس الذي أصاب البعض في مجال التصوير، وذلك منذ أن انتشرت أجهزة الجوال المصحوبة بكاميرات عالية الدقة، ونحن نجد البعض يعمد إلى التصوير في كل مكان وبكل الأوضاع سواء كان التصوير كصورٍ عادية أو مقاطع فيديو، وزاد الأمر سوءًا انتشار وسائل التواصل الاجتماعية، والتي ساهمت في جعل بعض هؤلاء يقومون بنشر تلك الصور والمقاطع على حساباتهم الشخصية، مما ساهم في انتشار مثل هذه السلوكيات، والتي يتضمن بعضها ضررًا كبيرًا.

الهوس بالتصوير لم يقتصر على التصوير (السيلفي)، والذي أكدت بعض الدراسات بأنه دليل أكيد على وجود خلل عقلي خطير، وأن بعض الأشخاص الذين يشعرون بأن عليهم نشر صورهم باستمرار على وسائل التواصل قد يكونون بحاجة إلى مساعدةٍ طبية، وقد يشير إلى الإصابة باضطراب عقلي، بل تجاوز ذلك التصوير ليخرج بعض منه عن الإطار الشخصي، ويتعدَّى الحواجز، ويصبح إما للتوثيق أو لإعداد التقارير أو التجسس أو الابتزاز أو التشهير... أو غيرها من السلوكيات السلبية، والتي تخالف الأنظمة والقوانين.

مُؤخَّرًا تداولت وسائل التواصل الاجتماعية صورًا ومقاطع لحادث مروري مروّع على طريق القصيم - المدينة المنورة، وقام أحد الأشخاص بتصوير المصابين في ذلك الحادث المروري البشع، وهم ملطخون بالدماء، وبينهم مَن بُترت أعضاؤه ومنهم مَن يُنازع ومنهم مَن قد يكون قد تُوفي، وهو يواصل التصوير بلا ضمير أو وازع إنساني أو حتى مد يد المساعدة للمصابين بدلًا من التصوير، مما ساهم في قيام بعض النشطاء في (تويتر) بحملةٍ لمحاسبة ذلك المصوِّر ومعاقبته على قيامه بتصوير مثل هذه المناظر المخيفة والمرعبة، ونشرها دون أن يحترم أو يُقدِّر أحوال المصابين، أو يراعي حرمتهم وأوضاع عوائلهم عند مشاهدتهم لمثل تلك المقاطع.

البعض قد يدّعي بأن مثل هذه المناظر البشعة قد يكون فيها عبرة وعظة للآخرين، ولكن هل الاتعاظ والعبرة لا يكون إلا من خلال تصوير الدماء والتشهير بالمصابين وهم في النزع الأخير؟ ألا يمكن أن تكون هناك وسائل أخرى للعِبرة والاتعاظ أفضل بكثير من أن تصوّر أشخاصًا وهم يموتون؟ وهل لو كان هؤلاء المصابون أبناء أو إخوة أو أقارب للمصوّر، هل كان سيواصل التصوير وهم يُصارعون الموت، أم بادر لمد يد المساعدة؟.

هوس التصوير الموجود اليوم لدى البعض يحتاج أن يُوضع في إطارٍ واضح ومنضبط، ويُستثمر بطريقةٍ إيجابية بعيدًا عن الإساءة للآخرين، أو التدخل في خصوصياتهم أو تهديدهم، فالهوس الفردي للتصوير أمر يعود للفرد نفسه، ولكن لا بد للجهات الرسمية أن تُحاسب كل مَن يعمد إلى إيذاء الآخرين أو التشهير بهم أو ابتزازهم، وذلك في إطار نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.