بموضوعية تامة وقراءة متأنية للأحداث أعاد الكاتب الكبير عبد الرحمن الراشد الاعتبار للعمل الإغاثي والتطوعي والنشاطات الخيرية التي تعرضت في الدول العربية والإسلامية وما تزال لحملات من التشويه والتجريح، وصلت الى حد اتهامها كلها دون استثناء بتمويل الإرهاب. والواقع أنه في غمرة أو حمأة التفتيش عن أدوات تمويل الإرهاب دخل العاطل في الباطل، واستسهل البعض ضم جميع الهيئات والمؤسسات والكيانات لقائمة الإرهاب «المختلف عليها وعليه» في التعريف السياسي والاجتماعي والإنساني المنطقي!

لقد جاءت أطروحة الراشد تحت عنوان «مسؤوليتنا تجاه الذين يموتون برداً» محاولة جادة لإحياء شيمة وقيمة الشهامة العربية والإسلامية التي انقرضت أو ماتت بفعل الهجمات الضارية التي تشنها الجماعات الإرهابية الحقيقية باسم المسلمين. وفي ذلك يشدد الراشد على ما يلي:

أولاً: إن مجتمعاتنا دائماً فيها حب لعمل الخير، ومن أخلاقها المروءة ومد يد العون.

ثانياً: إن دول منطقتنا أصبحت تبرر تقاعسها بالاكتفاء بلوم بعضها بعضاً للتهرب من مسؤولية مساعدة الشعوب المنكوبة في منطقتنا.

ثالثاً: إن العمل الجماعي والتطوعي والنشاطات الخيرية من مظاهر تقدم الأمم ورقي مؤسساتها.

أخيراً يقول الراشد إنه في اليوم الذي ننجح فيه في الإغاثة والعمل الإنساني فإننا نثق بأننا أمة تتقدم وتسير في طريقها الصحيح.

كنت شاهداً على أعمال إغاثية سعودية لمختلف دول المنطقة والعالم، وتحتفظ الذاكرة بل وتمتلئ الحقيبة الصحفية الخاصة بعشرات المشاهد والمواقف والصور الرائعة لإغاثيين توجهوا لإغاثة شعوب جيبوتي وأثيوبيا وأرتيريا والصومال وموريتانيا والسنغال في أفريقيا، وشعوب بنجلاديش، وباكستان وسيرلانكا والفلبين في آسيا.. أيامها لم نكن نعرف أو نسمع عن جماعات الإرهاب، وكانت مشكلتنا مع بعض الحكومات والأفراد الذين كانوا يستولون على كميات من المساعدات ويبيعونها على الشعوب!

على أن أخطر ما في الموضوع حالياً ولم تتطرق إليه أطروحة الراشد المنصفة هو تقاعس الأفراد، وخمود روح المبادرة، وإنطفاء شعلة الحماس لنجدة اللاجئين المشردين! يحدث ذلك تدريجياً وكأن بعض الحكومات هي التي تربي شعوبها أو ترضعهم لبن التقاعس والخمود والعكوف عن نجدة المشردين.

لن أتحدث عن الإخوة في سوريا الذين كانوا محل تقدير ورعاية بل وحفاوة وكرم ضيافة إخوانهم العرب في المنطقة، قبل أن تتفشى روح التكاسل واللامبالاة بمعاناتهم..بل إن الأمر وصل في بعض المدن العربية الى حد العداء لهم والغيرة من نشاطهم وقدرتهم على التكيف لحين العودة، لكنني مضطر للمقارنة بين موقف مثل هؤلاء الرافضين أو اللافظين للاجئين العرب والمسلمين وبين مواقف أخرى للناس في كندا وأستراليا وألمانيا.

لن أقارن كذلك بين رئيس الوزراء الكندي الجديد جاستن بيير ترودو الذي غزا قلوب المهاجرين واللاجئين، وبين غيرت فيلدرز رئيس حزب الحرية في هولندا.. لكني مضطر للمقارنة بين موقف ترودو من اللاجئين المسلمين، وبين حكومات وأحزاب عربية وإسلامية تتنافس لتوسيع قوائم الإرهاب حتى تشمل جميع المسلمين!

في نفس توقيت نشر أطروحة الراشد بل وفي نفس المكان من «الشرق الأوسط» وربما في نفس الصفحة قرأت خبرين يرتبطان بالمقال بصورة أو بأخرى.. الأول عن تغريدة الرئيس ترامب التي عاد فيها لمهاجمة حماس الديمقراطيين للاجئين، والثاني لمتظاهرين من اليمين المتطرف في هولندا ينددون بانحياز حكومة مارك روته رئيس حزب الشعب الليبرالي لصالح اللاجئين. والحق إنني تمنيت أن تكون نظرة الحكومات والأحزاب والأفراد المسلمين للاجئين العرب والمسلمين في حدها الأدنى أو حتى الأقصى مثل نظرة الحزب الديمقراطي الأمريكي وحزب الشعب الهولندي، والحزب الليبرالي الكندي!!